الكتب الالكترونية الإسلامية


    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /د.عثمان قدري مكانسي

    شاطر

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /الذمُّ/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 13th 2015, 8:40 pm




    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    الذمُّ

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    ذمَّ الرجلَ : عابه ولامه وأظهر معايبه ومثالبه .
    والذمُّ :
    أ ـ تعبير عن السخط وعدم الرضا .
    ب ـ نوع من الهجاء لمن لا ترتضي منه تصرفاتٍ وأقوالاً مذمومة .
    جـ ـ إظهار المعايب المنبوذة التي تسقط مروءة فاعلها كي :
    1ـ يتجنبه الناس .
    2ـ يتجنب الناس الوقوع بمثلها .

    والقرآن الكريم يسجل للكافرين والمشركين والمنافقين صفات سببت لهم غضب المولى سبحانه نعوذ بالله أن نفعلها أو نكون من أهلها .
    منها :

    ـ أنهم يزعمون لله سبحانه البنات ، مع أنهم يكرهونهنَّ ويئدوهنَّ وأنهم أهل شهوات :
    { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57)
    وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58)
    يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)}(النحل) .

    ـ أنهم أولياء الشيطان :
    { تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)}(النحل) .

    ـ يفترون الكذب ، ولا يؤمنون بآيات الله ، ينشرح صدورهم للكفر ، فضَّلوا الدنيا على الآخرة ، وطُبعَ على قلوبهم ، فهم غافلون :
    { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)
    مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)
    ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)
    أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108)}(الحجر) .

    ـ ادّعوا لله سبحانه الولدَ :
    { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)}(مريم) .

    ـ طاغُون :
    { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)}(طه) .
    { اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43)}(طه)
    { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17)}(النازعات).

    ـ مترددون ، يعبدون الأوثان ، ويجادلون من غير علم ولا هدى ، متكبرون ، ويضلون الناس :
    { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ( 8 ) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9)}(الحج) ،
    { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12)}(الحج) .

    - يكذّبون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظالمون ، يقولون الزور ، يصفون القرآن بالأساطير :
    { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4)
    وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)}(الفرقان) .

    - يدعون أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مسحور :
    { ...وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ( 8 )}(الفرقان) .

    - يستهزئون بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، لا يهتدون كالأنعام ، ولا يؤمنون بالبعث والنشور :
    { وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41)}(الفرقان) .
    { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)}(الفرقان) .

    - أعداء الله :
    { ويعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)} (الفرقان) .

    - فاسقون ، يجعلون القرآن سحراً ، والرسولَ ساحراً ، جاحدون ، ظالمون ، ومستكبرون ، مفسدون ، يشكون بالآخرة ، عميان عن الحقيقة :
    { . . . . إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13)
    وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)}(النمل) .
    { بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66)} (النمل) .

    ـ يؤذون الله ورسوله ، ويؤذون المسلمين :
    { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)}(الأحزاب) .

    ـ يتبعون الشيطان :
    { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20)}(سبأ) .

    ـ يعرضون عن الحق ، بخلاء :
    { وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47)}(يس) .

    ـ يمارون في الساعة ، ويستعجلونها :
    { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا... }(من الآية 18 الشورى) .

    ـ أفّاكون آثمون ، يصرون على الكفر والاستكبار ، يصمون آذانهم عن الحق :
    { وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( 8 ) }(الجاثية) .

    ـ في قلوبهم مرض ، قاطعون للرحم :
    { . . . فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ(20)}(محمد) ،
    { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22)}(محمد) .

    ـ لا يتدبرون القرآن :
    { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)}(محمد) .

    ـ فيهم حميّة الجاهلية :
    { إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ }(من الآية 26 الفتح) .

    ـ هم خراصون ( شديدو الكذب) ، ساهون :
    { قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11)}(الذريات).

    ـ مترفون ، يصرون على الذنب العظيم " الشرك " :
    { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46)}(الواقعة) .

    ـ والمنافقون لا يعرفون الله ، فهم يخافون المسلمين أكثر من خوفهم من الله ، يؤاخون الكفار :
    { أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11)}(الحشر) .
    { لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13)}(الحشر) .

    ـ يمكرون بالمؤمنين :
    { وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)}(نوح) .

    ـ لا يصلّون ، يدفعون المساكين ، يخوضون في الباطل :
    { قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)}(المدثر) .

    ـ يأكلون حقوق الناس :
    { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)}(المطففين) .

    ـ يضحكون من المؤمنين ، ويتغامزون بهم ، ويسعدون لاستخفافهم بالمسلمين ، ويصفونهم بالضلال :
    { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32)}(المطففين) .

    ـ قال تعالى في حقِّ أبي لهب وزوجته :
    { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)}(المسد) .

    وأخيراً اقرأ معي سورة القلم لترى عديداً من صفات الكفار ، والعياذ بالله :
    { فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 )
    وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)
    وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10)
    هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)
    مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)
    عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13)
    أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14)
    إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)}(القلم) .

    نسأل الله تعالى النجاة من النار ، اللهم آمين .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /فضح المواقف/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 13th 2015, 9:06 pm



    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    فضح المواقف

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



       الأعداء نوعان :
        الأوّل : صريح العداء كاليهود والكفار والنصارى .
        والثاني : عدو باطني لكنّه أشد إيذاء ، وهم المنافقون .
        وقد تجد من العدو الصريح قدراً من التزام الحدود لأنّه مكشوف تحذر منه ، لكنه لا يفوّت فرصة تجعله ينال منك ويحاول جهده ـ إن كان ضعيفاً ـ إظهار اللباقة والموضوعية في صراعه معك ، وإن أحسَّ من نفسه القوة لم يرعَ عهداً ولا ذمّة . . قال تعالى : { لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)}(التوبة) .
     
      المنافق:

    العدو الباطني ...إنه يظهر لك الودَّ والحبَّ ويختلط بك ، ويشاركك كثيراً من عبادتك وأفكارك ، ويتعرف على أسرارك ودخائلك ، ويختلق الأعذار في التخلي عنك ، ويخذلك في الوقت المناسب ، ويذيع أسرارك ، ويوصلها للآخرين .
       فهو جراثيم تفتك بجسمك ، والانتصار عليه أو التخلص منه يحتاج إلى أضعاف كثيرة من الجهد الذي تبذله للعدو الظاهر . .
        والقرآن الكريم علمنا كيف يكون الدفاع الحقيقي عن حياض المجتمع الإسلامي ، إنّه    الهجوم . . . فالهجوم أفضل وسيلة للدفاع .
        ومن سبل الهجوم فضح مواقف الأعداء .
        وقد يكون كشف عوراتهم قبل أن يقوموا بعمل عدائي وذلك :
    1ـ  لتحذير المسلمين منهم .
    2ـ  لإخافة الأعداء حين يعرفون أن تصرفاتهم وأقوالهم مكشوفة .
        وقد يكون ذلك بعد قيامهم بعمل عدائي قولاً وتصرفاً وذلك :
    1ـ  لعزلهم عن المجتمع الإسلامي فيمايزهم ويفاصلهم .
    2ـ  حتى لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين .
        وقد عرّى القرآن الكريم مواقف " اليهود ، والمنافقين والكفار ، والنصارى " ونذكر أمثلة مناسبة لكل فئة منهم :

    اليهود :

    فهم يحاولون تشكيك المسلمين بالرسول والرسالة بأسلوب خبيث ، ويوصى بعضهم بعضاً بالحذر من المسلمين ، وأكل أموالهم دون وازع من دين ، قال تعالى : { وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73)}(آل عمران) .
        { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}(آل عمران) .
        كما أنّ اليهود يحرّفون كتبهم عن قصد . قال تعالى : { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)}(آل عمران) .
        واليهود إضافة إلى أنهم يحرفون كلام الله ، فيحذفون ، ويزيدون ، يجهرون بالعصيان ، ويدعون على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويشتمونه ويطعنون في الإسلام فهم ملعونون إلا من آمن منهم واتقى ، قال تعالى : { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ ، وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)}(النساء) .
        واليهود يهزأون بالإسلام وشعائره ويقلدون المسلمين في صلاتهم ، عابثين ساخرين ، ولا غرو فهم أبناء القردة والخنازير . أهل غدر وعدوان يأكلون المال الخبيث ، ولا يعرفون الحلال من الحرام ، كما أن أحبارهم ورهبانهم مثلهم لا يعرفون لله حقاً . قال تعالى : { وإذا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)}(المائدة) .فهم يسخرون من المصلين وصلاتهم . فقد غاب عن عقولهم – لو كان لهم عقول – أن الصلاة لقاء بين الله وعباده ن بين المحبين ومحبوبهم .
        (( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)}(المائدة) . فاستحقوا أن يكونوا قردة وخنازير لأنهم عبدوا الطغيان ، فكانوا مثالاً للشر ، وقادة في الضلال .
        وقال تعالى : { وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)}(المائدة) . يعتدون ويسارعون في الفتن وأكل المال الحرام دون رادع ، وشاركهم الإثم أحبارهم ورهبانهم ، فكانوا شركاءهم في الجريمة .
        بل إن فجورهم وكفرهم وصل بهم إلى الاستكبار ومسِّ الذات الإلهية ، حين افتروا عليه       ـ سبحانه ـ فعاقبهم أن عادى بعضهم بعضاً وأبغضهم الناسُ جميعاً لفسادهم ، قال تعالى :
    { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
        غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا
        بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ
        وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا
        وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
        كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ
        وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
    (64)}(المائدة) .
        أما قصتهم مع نبي الله موسى عليه السلام ، فسورة الأعراف تسجيل دقيق لخبثهم وفسادهم . فهم بعد أن نجاهم الله من فرعون ورأوا قوماً يعكفون على أصنام لهم قالوا فوراً : { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ }(من الآية 138الأعراف) .
        وصنعوا عجلاً من حليِّ نسائهم يعبدونه : { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) }(الأعراف) .
        وحين أمروا بدخول القدس أباح الله تعالى لهم كلَّ ثمارها ، يأكلون ما شاءوا ، ومتى شاءوا ، وأمرهم نبيهم أن يقولوا : يا الله حُطَّ عنا ذنوبنا . فبدّلوا ذلك ، ودخلوا يزحفون على أستاههم بدل السجود لله  والخشوع له ، وبدّلوا من حطة إلى حنطة استهزاء وسخرية ، قال تعالى : { وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162) }(الأعراف) . وكان الرجز الطاعون الذي أباد منهم عشرات الآلاف جزاءً وفاقاً .
        وقصتهم في اصطياد السمك يوم السبت ، وقد نهاهم الله عن ذلك اختباراً لهم معروفة ، فلما احتالوا ورمَوا شباكهم في ذلك اليوم عاقبهم الله ، فجعلهم قردة خاسئين . . قال تعالى : { فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) }(الأعراف) .
        وحين رفض هؤلاء اليهود الامتثال لأمر الله وتطبيقَ شريعته ، اقتلع الله جبل الطور ورفعه فوق رؤوسهم يهددهم بإسقاطه عليهم فامتثلوا مكرهين لا قانعين ، شأنهم في كل الأمكنة والعصور . . قال تعالى : { وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) }(الأعراف) .
        هذا غيض من فيض يدل على قبح مواقف اليهود وعتوّهم وكفرهم ، ليكون المسلمون على دراية بهم وبفسادهم ، فيظلوا منهم على حذر .

        الكفار :

    هؤلاء الذين آذوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه البررة الكرام لم يألوا جهداً في تجييش الجيوش وبذل المال لمحاربة الرسول الكريم وإطفاء دين الله في الجزيرة ، ولكنَّ الله تعالى كان لهم بالمرصاد فأبطل مكرهم وجعل ما صرفوه حسرة في قلوبهم ، ثم مصيرهم إلى النار .
        قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
        فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ
        وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ
    (36) }(الأنفال) .
        أما الأصنام التي يعبدونها من دون الله فلن تنفعهم ، ضلَّ سعيهم في الدنيا ، ويوم القيامة لهم النار بسبب كفرهم ، واستهزائهم بالمؤمنين ، قال تعالى :
    { أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)
        قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103)
        الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)
       أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105)
        ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)}(الكهف) .
        والكفّار يجتمعون ظاهراً على الأصنام ويعظم بعضهم أصنام بعض للحفاظ على المودة الظاهرة في الدنيا ، أما في الآخرة فسيكفر بعضهم  ببعض ، ويتلاعنون ومأواهم النار لا يخرجون منها ، قال تعالى : { وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25)}(العنكبوت) .
        وبعض هؤلاء الكفار من يخلف الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مجلسه ، يحدث الناس عن رحلاته إلى بلاد فارس والروم ، فيشغلهم بترّهات الأمور عن الإيمان بالله والاستجابة لرسوله ، ويهزأ بآيات الله مستكبراً ، قال تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)}(لقمان) .

    وقال تعالى: { وَقَالُوا
    أ   ـ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ
    ب ـ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ
    جـ ـ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ
    د  ـ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)}(فصلت) .
        إنه إصرار عجيب على الكفر والعناد .
        وفي سورة نوح نلحظ ما يلي : { فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6)}(نوح) الزهد الشديد في قبول الدعوة وعدم سماعها ،
        { وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7)}(نوح) ، الإصرار على رفضها ، والتكبر على سماعها .
      وقال تعالى:  { قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ
    أ  ـ عَصَوْنِي
    ب ـ وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21)
    جـ ـ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22)
    د ـ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)
    هـ ـ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا . . .(24) }(نوح) .

        المنافقون :

    يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولكنهم يتحاكمون إلى غير شرع الله ، مما يدلُّ فسادهم وكفرهم .
        قال تعالى يفضحهم :
    { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
    أ   ـ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ
    ب ـ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ
    جـ ـ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60)}(النساء) .
        { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61)}(النساء) .
        { فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ
    أ   ـ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
    ب ـ وَعِظْهُمْ
    جـ ـ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)}(النساء) .
        والمنافقون حين ارتدوا إلى الكفر بعد إسلامهم ضلوا وتاهوا ، وتمنّوا لو عاد إلى الكفر كل المسلمين حتى يكونوا مثلهم ، فهؤلاء لا حرمة لهم عند المسلمين ولا كرامة .
     
     قال تعالى يوضح موقفهم : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا
    أ   ـ فَخُذُوهُمْ
    ب ـ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
    جـ ـ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89)}(النساء) .
        { سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ
    أ   ـ فَخُذُوهُمْ
    ب ـ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
    جـ ـ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91)}(النساء) .
     
     ويفضح الله مواقف المنافقين الذين يدَّعون الإيمان بالله وبالرسول ولا يتحاكمون إليه فيشنّع عليهم ، قال تعالى : { وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)
    أ   ـ  وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)
    ب ـ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)
      1ـ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
      2ـ أَمِ ارْتَابُوا
      3ـ أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ
      4ـ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50)}(النور) .
        ومن صفات المنافقين الكذب والتعلل بغير الحقيقة هرباً من القتال ، لأنهم يظنون أن المسلمين إن قاتلوا هربوا أو قُتلوا ، هكذا ظنهم السيء ، قال تعالى : { سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12)}(الفتح) .
        وقد وعد الله سبحانه المسلمين في صلح الحديبية أن غنائم خيبر لمن حضر هذا الصلح ، فمنع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المنافقين  أن يذهبوا معهم إلى حرب خيبر ، فأظهروا الغيرة والحسد ، وألصقوهما بالمسلمين كذباً وافتراءً ، قال تعالى : { سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15)}(الفتح) .
        ويعرّي الله سبحانه كذبهم حين يدّعون أنهم يؤمنون بالإسلام ، ويشهدون للرسول بالنبوة  
      { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ
        قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
        وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
        وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ
    (1)
        اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
        إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
    (2)}(المنافقون) .
        والسورة كلها تسلط الضوء على مخازيهم ، قال تعالى :
    1ـ  { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5)
    2ـ  سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)
    3ـ  هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7)
    4ـ   يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( 8 )}(المنافقون) .
        وفي سورة التوبة تحليل دقيق للمنافقين ، وكشف لدخائلهم وسرائرهم التي يحاولون إخفاءها ، ولكثرة الآيات في ذلك أذكر بعض المواقف ، وأحيل إلى مكانها في سياق الآيات :
    ـ    يحلفون بالله كذباً أنهم لا يستطيعون الخروج ، ولو استطاعوا ما قصّروا ، والحقيقة أنهم رأوا تبوك بعيدة فاستنكفوا عن مصاحبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (1) .
    ـ    لا يكون التردد والبقاء في المدينة إلا عن كفر بالله واليوم الآخر ، والبخل بالمال والنفس(2).
    ـ    ولو خرج المنافقون مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين إلى تبوك لبذروا الفتنة في الناس ، وأسرعوا فيهم إلى الغيبة ، والنميمة ، وحاولوا إلقاء العداوة بينهم ، وفي المسلمين بعض ضعفاء الإيمان قد يستمعون إليهم ، فقد فعلوا ذلك في غزوة أحد وأغووا بني المصطلق (3) .
    ـ    بعضهم ادعى أنه لا يصبر على الزنا إن رأى نساء بني الأصفر ، فاستأذن (4) .
    ـ    يفرحون لمصاب المسلمين ويحزنون إن انتصروا ، ويتربصون بهم الدوائر (5) .
    ـ    ينفقون كارهين للمراءاة فقط ، لذلك لا يقبل الله تعالى نفقاتهم ، لأنها غير خالصة لله ، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى (6) .
    ـ    يتجنبون القتال جبناً وخوفاً ، وألسنتهم سليطة ، تقف حين يأخذون من الصدقات ، ويلمزون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إن منعهم (7) .
    ـ    يعيبون الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقولون ما لا يليق بجنابه ( 8 ) .
    ـ    يخافون المسلمين  ، ولا يخافون الله ، فهم لا يعرفون الله (9) .
    ـ    يحذرون أن ينزل الله آيات تفضحهم ، وتعرّيهم ، ويتحدثون بما لا يليق في حق الإسلام العظيم ، بحجة أنهم يلعبون ويلهون (10) .
    ـ    المنافقون والمنافقات يأمرون بالمنكر ، وينهون عن المعروف ، ويبخلون فتقصر أيديهم عن فعل الخيرات . نسوا الله فلم يحسبوا حسابه ، وهؤلاء هم الفاسقون أهل النار فيه مع الكفار في لعنة دائمة وعذاب مقيم (11).

       النصارى :

    هم الذين كان لهم في التاريخ دور مسيء إلى المسلمين في عهد الإسلام الأوّل وحاربوه في مؤتة وتبوك وأجنادين واليرموك . . . وهم الذين جاءوا بقضّهم وقضيضهم في العصور الوسطى ، فاحتلوا البلاد الشامية ، وقتلوا المسلمين وذبحوهم ، وهم الآن يبتزون خيراتهم ويذيقونهم الهوان لماذا ؟ تعالَ معي إلى بعض ما فعلوه .
    قال تعالى :{ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)}(المائدة) .
        واتخذوا عيسى عليه السلام ولداً لله ـ سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ـ قال تعالى : { وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ ..}(من الآية 115 البقرة) .
        { لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ..}(من الآية 4 الزمر) .
        وبعضهم جعل عيسى عليه السلام هو الله ـ تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ـ : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ...}(من الآية 17 المائدة) .
        فلما جاء وفد نجران من النصارى يدّعون أن لله سبحانه ابناً ، وأصروا على ذلك أمام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمر الله تعالى رسوله أن يقول : { قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)}(الزخرف) .
        وأمره أن يباهل وفد النصارى هؤلاء ، قال تعالى : { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)}(آل عمران) .
        ولهذا أمرنا الله تعالى أن نتحاشى موالاتهم وموالاة اليهود والكفار ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)}(المائدة) .
     
      فهل نرضى أن نكون من اليهود أو النصارى ؟!! .
        وهل نرضى أن نحشر إلى الله تعالى ظالمين ؟!! .
        إن في هذا لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

    الهوامش:
    (1)   انظر : سورة التوبة ، الآية : 42 .
    (2)   انظر : سورة التوبة ، الآية : 45 .
    (3)   انظر : سورة التوبة ، الآيتان : 47 ، 48 .
    (4)   انظر : سورة التوبة ، الآية : 49 .
    (5)   انظر : سورة التوبة ، الآيات : 50 ـ 52 .
    (6)   انظر : سورة التوبة ، الآيتان : 53 ، 54 .
    (7)   انظر : سورة التوبة ، الآيتان : 57 ، 58 .
    ( 8 )   انظر : سورة التوبة ، الآية : 61 .
    (9)   انظر : سورة التوبة ، الآية : 62 .
    (10) انظر : سورة التوبة ، الآيتان : 64 ، 65 .
    (11) انظر : سورة التوبة ، الآيتان : 67 ، 68 .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /التحدي/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 13th 2015, 9:20 pm


    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    التحدي

    الدكتور عثمان قدري مكانسي




    يقولون تحدّاه : نازعه في أمر ، وباراه فيه وغالبه ، ويقولون كذلك : تعمّد الشيء .
    ففي التحدي ثقة بالنفس وعلوّ في الهمة ، وإحساس بالاقتدار فوق ما يستطيعه الأخرون .
    وفي القرآن الكريم كثير من التحدي للناس على اختلاف أنواعهم ، وللكفار المعاندين بشكل عام ، والمناوئين المعاندين بشكل خاص ، والمتقولين الزاعمين ما لا يستطيعونه بشكل أخص .
    وقد يكون التحدي للإعجاز ، وقد يكون للسخرية ، ولفضح الزاعمين . ولهذا الأسلوب إيجابيات كثيرة منها :

    1ـ أن يقف المتخرصون عند حدودهم ، فلا يدّعوا ما ليس لهم .
    2ـ أن لا يغتروا بأنفسهم فيحسبوا لكل شيء حسابه .
    3ـ أن يتنبّه المخدوعون بهم فينفضّوا عنهم وينبذوهم .
    4ـ أن يفكر هؤلاء وغيرهم تفكيراً منطقيّاً ينأى بهم عما يسيء إليهم . . .

    ومن أمثلة ذلك : أن الكفار من الوثنيين وأهل الكتاب زعموا أن هذا القرآن لم ينزل من عند الله بل " تقوّله " الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وحاشاه فهو الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى ، فيتحدّاهم القرآن الكريم .

    1ـ أن يأتوا بمثله : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)}(الإسراء) .
    2ـ فلما عجزوا وهذا دأب الأفاكين تحدّاهم بأقلّ من ذلك فقال تعالى: { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)}(هود) .
    3ـ فلما عجزوا ـ وسيعجزون لأنه كلام الله ـ تحداهم بأن يأتوا بأقل من ذلك فقال : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)}(البقرة) .
    وقال أيضاً : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ . . . }(يونس) .

    لن يستطيع الإنس والجنّ مجتمعين أن يفعلوا ذلك ، وهاقد مرت إحدى وثلاثون عاماً وأربع مائة وألف عام ، وما زال التحدي قائماً فشتان ما بين القدير والضعيف .
    وقد حاول الأقزام المتنبئون فكان ما قالوه سخافة ، تدعو إلى السخرية والرثاء .

    ـ وينكر الكفار أن يعودوا إلى الحياة بعدما أرمّوا ، فينبههم في الآيات التالية إلى أمرين اثنين :
    الأوّل : أن الله خلقهم ولم يكونوا شيئاً وسيعيدهم من شيء ، فأي الأمرين أشدَّ ؟! أليس الخلق أصعب ، وليس هناك مستحيل على الله سبحانه .
    الثاني : التنبيه إلى الخسارة المؤكدة لمن كفر .
    قال تعالى : { يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)}(النازعات) .
    وقال تعالى : { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)}(يس) .
    وقال تعالى : { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34)}(يونس) .
    وقال تعالى : { وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)}(الإسراء) .
    وقال تعالى : { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7)}(التغابن) .

    ـ ويتحدى اليهود أن يتمنّوا الموت حين زعموا أنهم اولياء الله ولا يعذّبهم فقال : { قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (Cool}(الجمعة) .
    ـ لن يترك الله تعالى الإنسان يفعل ما يشاء ، ولا بدَّ من الحساب والعقاب ، أو الثواب ، والله قادر على كل شيء ، يعيد الإنسان كما كان حتى بصمات أصابعه ، قال تعالى : { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) }(القيامة) .
    وقال : { أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)}(القيامة) .

    ـ ومما نجد فيه تحدياً ساخراً إنفاق الكفار أموالهم ضدَّ المسلمين ، وخسارتهم في مكرهم هذا : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
    أ ـ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
    ب ـ فَسَيُنْفِقُونَهَا
    جـ ـ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً
    د ـ ثُمَّ يُغْلَبُونَ
    هـ ـ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)}(الأنفال) .
    أرأيت إلى هذا التعقيب الرائع الذي يصور المكر السيء الذي يحيق بأصحابه ؟ .

    ـ وانظر معي إلى الهيمنة الإلهية القادرة الجبارة في قوله سبحانه : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)} (الأنفال) .
    وقوله : { أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)}(هود) .
    وقوله سبحانه : { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22)} (العنكبوت) .
    فإلى أين يهربون وما لهم لا يحكمون ، وكيف يتجرأون على الله سبحانه من عظيم قدير .

    ـ أما الإشراك بالله فهي مظاهر عدة يظهر فيه التحدي والغضب بآن وواحد فهم يجعلون لله ولداً ـ سبحانه أن يكون له ولد ـ فيأمر الله تعالى نبيّه أن يباهل نصارى نجران في ذلك فيأبون خوفاً من الحقيقة واعترافاً ضمنياً بها : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)} (آل عمران) .

    ونرى الغضب يسح على النصارى الكاذبين سحّاً ، ويسيل سيلاً ، فما ينبغي لله ـ سبحانه ـ الكامل ، المطلق الكمال ـ أن يحتاج إلى ولد :
    { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88)
    لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89)
    تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)
    وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)
    لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)
    وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)}(مريم) .
    والعجيب أنهم يزعمون أن إشراكهم بالله برضى منه ـ سبحانه ـ ومشيئته !!
    { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)}(الأنعام) .
    إنّه بيَّنَ الحقَّ لكم وسبيله ، والباطل وطرقه الملتوية وودعكم تختارون فتنالون ما تستحقون إما ثواباً ، وإما عقاباً .

    ويدعي الكفار أن الجِنّة ـ والعياذ بالله ـ أنسباء الله سبحانه ، وقد نكح منهم ، فولدت له الملائكة فيخزيهم مبكتاً : { وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159)}(الصافات)
    وسيحاسب الله تعالى الجنّ يوم القيامة كما يحاسب البشر . وهل يحاسب أحد أنسباءه ؟ نعوذ بالله من الظلم والظلمات . وإذا كان لله شركاء وعندكم بيّنة على ذلك فهاتوها ، ووضحوا ما صنعته هذه الآلهة المزعومة ؟
    أ ـ { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ
    ب ـ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4)
    جـ ـ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5)
    د ـ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)}(الأحقاف) .
    ويطلب الله تعالى الدليل مرات ومرات من المشركين كي يثبت الحجة عليهم:
    { هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)}(الكهف) وليس أظلم من المفتري الكذّاب . . .

    ـ ومن التحدي الذي يسرُّ المسلمين وبذهب حزنهم بشرى الله نعالى بنصرهم ونصر دينهم رغم الكافرين المعاندين والمشركين الضالين ، يقول تعالى :
    { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ
    وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
    (32)
    هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
    وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ
    (33)}(التوبة) .
    ويقول جلَّ شأنه : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)
    إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172)
    وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)
    فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174)
    وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175)
    أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176)
    فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177)
    وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178)
    وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179)}(الصافات) .

    نقف مليّاً في تحدّ عجيب غير التحدي الذي سقناه آنفاً ، فما مرَّ كان تحدياً من الله تعالى للكافرين المشركين ، أما السحرة الذين أعدّهم فرعون تحدياً لموسى عليه السلام فقد سارعوا إلى الحق والإيمان حين علم أن ما يدعوهم إليه نبي الله عين الصواب ، وزبدة الحياة ، فتحدّوا فرعون وثبتوا على إيمانهم على الرغم من ضعفهم أمام جبروته وطغيانه ، فمن ذاق الإيمان عرف ، ولم يرض بغيره ، وبذل روحه في سبيله .
    { وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ
    قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ
    (113)
    قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)
    قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115)
    قَالَ أَلْقُوا
    فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
    (116)
    وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ
    فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
    (117)
    فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118)
    فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119)
    وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)
    قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)
    قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ
    إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا
    فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
    (123)
    لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124)
    قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125)
    وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا
    رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ
    (126)} (الأعراف) .

    ـ وهذا سيدنا موسى يقف أمام فرعون ، معه سلاح الإيمان غير هياب ولا وجل ، يعلن كلمة التوحيد تصك أذن الجبار المتكبر ، فنرى ونسمع محاورة قوية بين فرعون الظالم وموسى المؤمن. من أقوى الأساليب الحوارية .
    { قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)
    قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)
    قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23)
    قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)
    قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25)
    قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)
    قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)
    قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)
    قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)
    قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30)
    قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31)}(الشعراء) .
    { فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)} (الأعراف) .
    تحدّ كالجبال الراسيات يلقم فرعون الحجة تلو الأخرى . . ولا يكون التحدي إلا :
    1ـ بالحجة الدامغة والدليل الواضح .
    2ـ بالإيمان الصحيح الحقيق بما تحمله .
    3ـ بالثقة في الله ، والقوة النفسيّة .

    وأخيراً ، فالتحدي قوة يجب أن يتسلح بها الداعية عن وعي وإدراك . إن الإخلاص لله سبحانه أقوى حجة وأبلغ دليل .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /التقريع والتوبيخ/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 13th 2015, 10:04 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    التقريع والتوبيخ

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    التقريع : التعنيف ، . والتوبيخ : اللوم والتهديد والتعبير.
    وهذا الأسلوب دواء لمن أخطأ فأصرَّ على الخطأ ، يستوي فيه من أخطأ في موقف ، وأصرَّ عليه غيرَ عارف بخطئه ، ومن عرف أنه مخطىء فأصرّ عليه معانداً ، وإن كان الثاني أشدَّ زلة ، إذاً فالتوبيخ والتقريع نتيجة لتكرار الخطأ دون الرغبة في تركه إلى الصحيح من القول والفعل .
    وقد يكون هذا الأسلوب :
    1 ـ للمصرّين على مواقفهم فكرةً وعملاً ـ وأنت تعلم أنهم لا يرعوون ـ لإقامة الحجة عليهم ، كي لا يتنصّلوا فيما بعد من مواقفهم هذه .
    2 ـ لتتخذ العقوبة المناسبة في حقهم معتمداً على القاعدة التي تقول : ( قد أعذر من أنذر ) فيكون موقفهم في تذرّعهم ضعيفاً .
    3 ـ لتنبّه الآخرين أن لا يقعوا فيما وقع فيه غيرهم من الأخطاء والتصرفات الذميمة .
    وهذا الأسلوب ـ عادة ـ يأتي بعد فضح المواقف التي اتسم بها من حاد عن الصواب ، فاستحق العقاب . واستحق الوصف الذي لا يرضاه أولو الألباب .
    ولا نقصد هنا بأسلوب التقريع والتوبيخ الأساليب البلاغية التي جاءت إنما نقصد إلى :
    أ ـ التعجب مما صدر عنهم من تصرفات .
    ب ـ إظهار التصرف الذي كان عليهم أن يلتزموه فخالفوه ، مثال ذلك قوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)}(البقرة) .
    فالتعجب من أمرهم للناس بالبرّ والنأي عنه ، فحريٌّ بالعاقل أن يكون أول الناس في التزام ما يأمر به لأنه قدوة ، ولأنه يدلُّ على صدقه فيما يدعو إليه وصواب ما يفعله .
    وقوله تعالى : { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا
    أ ـ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ
    ب ـ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)} (البقرة) .
    وقوله جلّ شأنه : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
    1 ـ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ
    2 ـ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ
    3 ـ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) } (البقرة) .
    وحين يظهرون الإيمان أمام المؤمنين خداعاً ، ويتواصون سرّاً أن يخفوا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ، فلا يظهروها للمسلمين كي لا تكون حجة للمسلمين عليهم ـ معشر اليهود ـ في عدم اتباعه صلى الله عليه وسلم ، يقول الله تعالى كاشفاً سترهم موبخاً إياهم موضحاً حقيقة الأمر : { أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) }(البقرة) .
    ومما استحق عليه اليهود التوبيخ والتعنيف ، ما أخبرنا به الله تعالى في كتابه قائلاً :
    { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ
    أ ـ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ
    ب ـ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84)}(البقرة) .
    { ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ
    أ ـ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ
    ب ـ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا
    أ ـ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
    ب ـ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)}(البقرة) .
    فهم يفعلون غير ما تأمرهم بهم الديانة اليهودية التي يزعمون أنهم ينتمون إليها .
    ومن صفات اليهود الفاضحة التي استحقوا عليها التوبيخ :
    أ ـ { أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) }(البقرة) .
    ب ـ { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88)}(البقرة) .
    جـ ـ {. . . . فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)}(البقرة) .
    الاستكبار على أنبيائهم ، وتكذيبهم وقتل الكثير منهم ، والتشدّق بفسادهم وكفرهم والجرأة على الله ، والكفر به .

    وحين دُعُوا إلى الإيمان بالرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ادَّعوْا أنهم يؤمنون فقط بما أنزل عليهم في التوراة ، ويؤمنون برسلهم فقط ، وهم كاذبون في دعواهم ، لأنهم كانوا يقتلون أنبياءهم ، ولو كانوا يؤمنون بهم وبرسالتهم ما قتلوهم ، فيقول سبحانه موبخاً : (( فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)}(البقرة) .

    وانظر معي إلى هذا النداء التوبيخيّ الفاضح ، وهذا الاستفهام الدامغ : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) }(آل عمران) .
    { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71)}(آل عمران).

    وتأمل معي تفجير الموقف التوبيخي ، والأسباب التي سبقته فأدّت إليه .
    قال تعالى :
    أ ـ { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49)
    ب ـ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50)
    جـ ـ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ
    بِالْجِبْتِ
    وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52)}(النساء) .

    والمنافقون قال الله تعالى فيهم :
    { ..فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) }(النساء) . أتدري لماذا ؟ إنهم ادّعوا أن اتباعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصيبهم بالبلاء والجهد ، مع أن الله سبحانه وتعالى جعل الحسنة والسيئة والنعمة والنقمة كلها من عند الله {.. قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (78)}(النساء).

    واقرأ معي هذه الصفات الخسيسة التي اتسم بها اليهود :
    { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ
    لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ
    مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
    وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ
    لَمْ يَأْتُوكَ
    ( يقبلون كلام من لا يحضر مجلسك تكبّراً وعناداً وإفراطاً في العداوة والبغضاء ـ يهود خيبر ـ)
    يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ
    يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ

    ( إن أمركم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالجلد فاقبلوا)
    وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ...}(من الآية 41 المائدة)
    (إن أمركم بالرجم فلا تقبلوا)
    { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ...}( من الآية 42 المائدة).
    (السحت : الحرام من الرشوة والربا ، وما شابه ذلك )
    فهذه الصفات جعلتهم أهل فتنة ، قلوبهم فاسدة ، لهم خزي في الدنيا ، وعذاب في الآخرة .

    أما المنافقون الذين يسرعون إلى مرضاة اليهود والنصارى ـ وما أكثرهم هذه الأيام ـ فقد جعلوا أنفسهم منهم إذْ جعلوهم أولياء لهم ، فهؤلاء إذاً نفوسهم مريضة ، ضالّون ، ظالمون ، سيندمون حيث لا ينفع الندم :
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ
    بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
    وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
    (51)
    فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ
    فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ
    (52)}(المائدة) .
    وهؤلاء الكفار من اليهود والنصارى يدعون أن لله ولداً ، فيقرعهم سبحانه ، ويصفهم بالكذب : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)}(التوبة).
    (يضاهئون : يشابهون ويماثلون)،
    والعبودية اتّباع وتنفيذ ورضا ، فالرهبان والأحبار يحرفون الكلم من بعد مواضعه وأتباعهم ينفذون ما خططوه لهم ،قال تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ }(من الآية 31التوبة) .
    وهم { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) }(التوبة) .
    والله سبحانه { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)}(التوبة) . فأشار الله سبحانه إلى الكفار من أهل الكتاب المناوئين لدينه موبخاً واصفاً إياهم بالشرك والكفر .

    وتدّبر معي هذا التوبيخ الشديد لمن نكث عهده فبخل وفسَد وأعرض :
    { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)
    فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76)
    فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)}(التوبة) .

    ويسخر المنافقون من صدقة قليلة دفعها رجل مؤمنٌ فقير ، فيسخر الله منهم
    { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) }(التوبة) .
    وهؤلاء المنافقون لا يغفر الله لهم أبداً أبداً { اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ...))
    لماذا ؟!
    {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) }(التوبة).
    إنها روعة في نفي المغفرة لهؤلاء مع بيان سبب شدة النفي ، وتهديد لمن تحدثه نفسه أن يكون مثلهم .
    ولما فرح المخلفون عن غزوة تبوك وقالوا لا تنفروا في الحرّ بيّن الله تعالى لهم أن نار جهنم أشد حراً لكنهم لا يفقهون ثم وبخهم وقرَّعهم بقوة قائلاً : { فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) }(التوبة) .

    ونرى هنا توبيخاً لمن يذكر الله في الشدّة وينساه في الرخاء بل ينكر فضله متناسياً ما كان ، قال تعالى :
    { وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)}(يونس) .
    أما فرعون المتأله المستكبر الذي سام بني إسرائيل سوء العذاب فإنه حين يغرقه الله وتغرغر روحه يقول : إنّه أسلم لله . . فكيف كان التوبيخ والتقريع ؟ قال تعالى : { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)}(يونس) .
    اعترف بإله بني إسرائيل وأنكر ألوهيّة نفسه التي أضلَّ بها قومه ورعيّته ، وأقرَّ أنه واحد من المسلمين لا يزيد عنهم ولا ينقص . . وليته قالها قبل هذه اللحظة ، فلن ينفعه هذا الإيمان الذي جاء متأخراً :
    أ ـ { آَلْآَنَ
    ب ـ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ
    جـ ـ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)
    فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً
    وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)}(يونس) .
    ( أتتوب في وقت لا تقبل فيه التوبة) .

    وكفّار مكة لم يقدِّروا فضل الله عليهم إذ جعل حياتهم فيها آمنةً رغداً تحترمهم القبائل ، وتؤمُّ بيتهم الحرام وتحرس قوافلهم ، وجعل لهم رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام ، فجعلوا له شركاء ، وضلوا عن سبيله . . { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)}(إبراهيم) .

    ولم أر توبيخاً أشدُّ من توبيخ مَنْ جعل لله سبحانه ولداً ، اقرأ معي هذه الجمل التي تعصف بالقلوب ، وتزلزل البنيان من القواعد ، غضباً ممن اعتدى على كمال الله وجلاله ، ووحدانيّة الله في ألوهيته :
    { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88)
    أ ـ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89)
    ب ـ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90)
    جـ ـ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)
    د ـ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)
    هـ ـ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)
    ز ـ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)
    ح ـ وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)}(مريم) .
    ( إدّاً : منكراً فظيعاً)
    وتدبّر معي التضَجّر من الإشراك على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام ، وممن يتخذون من دون الله آلهة : { أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)}(الأنبياء) .
    حقاً إنهم لا يعقلون .
    لقد اعترفوا حين تحدثت الفطرة بأن هذه الآلهة المزعومة لا تعقل ، ولا تنطق فهم حين عبدوها كانوا أقلَّ منها عقلاً ، فكيف يعبد الإنسان شيئاً صنعه بيده ؟!!
    { قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)
    فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64)
    ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)}(الأنبياء) .

    ويكون التوبيخ على أشده حين يفتري مَنْ يفتري دون برهان ، ولا دليل ولا مزعة من ظنّ مقبول ، فهم حين يجعلون ملائكة الرحمن إناثاً يسألهم الله موبخاً : { أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) }(الزخرف) .
    وحين ادّعوا أن الله تعالى أمرهم أن يعبدوا ملائكته ـ وحاشاه سبحانه ـ أن يأمرهم بذلك أقام عليهم الحجة { مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) }(الزخرف) .

    وحين سمّوا أصنامهم بما يحلو لهم وقالوا هي بنات الله سخر ـ سبحانه ـ منهم ووبخهم قائلاً :
    { أ َلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21)
    تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)
    إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ
    إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ
    وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى
    (23)}(النجم) .

    وفي سورة الرحمن توبيخ يقرع أسماع أعداء الله ، يستمر من أوّل السورة إلى آخرها قرعاً مدوياً بترتيب متلاحق يخلع الأفئدة إحدى وثلاثين مرة : { فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) }(الرحمن) . . إنه تعنيف شديد وتهديد رهيب ، ولوم ما بعده لوم .

    ولاحظ التوبيخ التصويري في قوله تعالى : { فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36)
    عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37)
    أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38)
    كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39)
    فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40)
    عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) }(المعارج) .
    (مهطعين : مسرعين مادي أعناقهم ) ، فهؤلاء الكفار يتجمعون حول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ جماعات متفرقة ، يصيخون إليه مائلين رؤوسهم متعجبين مما يقول ، هؤلاء يجيبهم الله تعالى باستفهام إنكاري فيه تقريع وتوبيخ ، فلا يطمع أحدهم أن يدخله الله جنات النعيم بعد أن كذّب خاتم المرسلين ، ثم يردعهم بقوله سبحانه { كَلَّآ } ، ليس الأمر كما يطمعون . لقد خلقهم الله من الأشياء المستقرة ، من نطفة ثمّ من علقة ، ثم من مضغة ، فمِنْ أين يتشرّفون بدخول جنات النعيم على شركهم وكفرهم ؟!! .

    وفي أول سورة المطففين توبيخ لمن يأخذ أكثر مما يستحق ، ويعطي أقل مما يجب أن يعيطه ، وهذه دونيّة الفساد ما بعدها دونيّة : { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)
    الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2)
    وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)
    أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4)
    لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5)
    يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)
    كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)}(المطففين) .

    والقرآن بأسلوبه العجيب يعطي هؤلاء المعاندين المستكبرين ما يستحقونه من تحقير يناسب نفوسهم وجِبِلَّتَهُمْ الفاسدة ، نسأل الله العفو والعافية .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /الإستعلاء/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 13th 2015, 10:29 pm


    كتاب من اساليب التربية في القرآن الكريم

    الاستعلاء

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



       
    هو الشعور بالانتماء إلى الله العزيز العلي ، مما يولّدُ :

    أ   ـ الإحساس بالترفع عن سفساف الحياة الدنيا .
    ب ـ وتحمل الأذى والصبر عليه ابتغاء رضوان الله تعالى .
    جـ ـ والعزوف عن بهارج الحياة والرغبة في الآخرة .
    د  ـ والثبات على المبدأ الصحيح ، والبذل في سبيله كل غال ورخيص .
    هـ ـ والنظر إلى طلاب الدنيا برحمة ، ومحاولة انتشالهم من شباكها .
    و  ـ والتعامل معهم دون الخوض فيما هم فيه ، دون نبذهم والتكبر عليهم .
        وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تحمل هذه المفاهيم وتدعو إليها .

        ـ فهؤلاء أصحاب الكهف فتية طاهرون ، آمنوا بالله سبحانه وتعالى ، ولجأوا إليه ، فقبلهم ، وزادهم منه هداية وتقوى ، وثبتهم على دين الحق ، فأعلنوا بإصرار وعزم عقيدتهم وتوحيدَهم لربهم ، مستعلين على ظلام الشرك والوثنية : { وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)}(الكهف).

        ـ وهذا يوسف عليه السلام راودته التي هو في بيتها ، فاستعصم ، واستعان بالله عليها . . فلما انتشر خبرها بين نساء المدينة استزارتهن لتلقمهنَّ حجرها ، وتضع بين أيديهن سبب رغبتها فيه فلما رأين جماله ـ عليه السلام ـ وقعن فيما وقعت فيه ـ فدعونه إلى مسايرتهنّ جميعاً ، فأبى ، واستعلى ، فهددته بالسجن ـ فكان السجن ـ أحب إليه من الوقوع في الزنا :{ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)}(يوسف) .

        ـ وهؤلاء المنافقون يعودون إلى المدينة بعد غزوة بني المصطلق ، ويتشاجر على الماء ساقيان ، أحدهما لأنصاري ، والآخر لعمر بن الخطاب رضي الله عنه من المهاجرين ـ ويرى رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول الفرصة مناسبة لخلخلة الصف المسلم ، فيقول : لا تنفقوا على المهاجرين حتى يتفرّقوا عن محمد ، ونسي أن خزائن السموات والأرض لله وحده . ثم ادّعى أنه العزيز وأن المسلمين أذلاء ، ولئن وصلوا إلى المدينة ليمنعنّ العزيزُ الذليلَ من دخول المدينة ، فسمع ابنه ـ وكان مؤمناً ـ ما قال أبوه ، فوقف على باب المدينة يمنع أباه من دخولها قائلاً : وراءك ، والله لا تدخل المدينة أبداً حتى تقول : إن رسول الله هو الأعز وأنا الأذل ، فقالها ، وسجّلها الله تعالى آية في العالمين : { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( 8 )}(المنافقون) .

        ـ وقد ذَكَرْنا أن انتماء المسلم لله سبحانه الذي مجّد نفسه فقال : { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ }(من الآية 114 طه)/(من الآية 116 المؤمنون) ، وقال أيضاً : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ۚ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَمَكْرُ أُولَٰئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)}(فاطر) ومحققاً : { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)}(المجادلة) .
      فهذا سيدنا سليمان يرسل إلى ملكة سبأ ، يدعوها وقومها إلى عبادة الله وحده ، فكانت عاقلة لبيبة ، ردّت عليه بالحكمة ، فبدأت بإرسال هدية مالية ضخمة ، علّه يسكت عنها إن كان من أهل الدنيا ، فماذا كان ردّه عليه السلام ؟ إنّه أعلن لمن جاءه وللحاضرين جميعاً أنّ المال ليس هدفاً وغاية يرمي إليه الإنسان { فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)}(النمل) .

        ـ وتأمّل معي الجواب الواحد لنبيين عظيمين ، استعليا على الدنيا وما فيها . .
        أما الأول فخليل الرحمان سيدنا ابراهيم ، الذي ألقاه قومه في النار ، فأنقذه الله منها ، فانطلق معرضاً عن الدنيا ، راغباً في الله سبحانه :
    { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)}(الصافات) .
        وأما الثاني ، فكليم الله موسى الذي خرج بقومه من مصر إلى بلاد الشام هرباً ، فلحق به فرعون وجنوده: { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)}(الشعراء) .
        أرأيت إلى المشكاة الواحدة التي قبس منها هذان النبيان العظيمان ، وإخوانهما من الأنبياء الكرام ؟ !! .

        ـ وهذا سيدنا شعيب يفعل فعلهما ، فقومه يضيقون عليه وعلى المؤمنين ويقولون له :
    أ   ـ { لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا
    ب ـ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)
    ـ     قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا
    جـ ـ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا
    ـ     وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا
    د ـ  عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا
    هـ ـ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ
    ـ     وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)}(الأعراف) .

        ـ ويجمع فرعون سحرَتَه ويستعين بهم على إرهاب موسى والناس ، ليضلّهم ويفرض سلطانه عليهم دون حقٍ إلا سبيل القوة والخداع ، فألقى السحرة حبالهم وعصيهم ، وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحرٍ عظيم ، فخاف موسى مما رأى . . . ولكن الله تعالى كان مع موسى ، ومن كان مع الله أفلح وانتصر . وصار أعداء الأمس أتباع اليوم .
        { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67)
        قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68)
        وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)
        فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)}(طه) .

        ـ وكما قال الله تعالى لموسى عليه السلام { إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى } قالها للمؤمنين بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد ، حيث أصابهم من المعركة ما أصابهم من قتلى وجرحى ـ وواساهم ورفع من معنوياتهم ، وأنّه سبحانه معهم :{ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)}(آل عمران) .
        وقالها أيضاً لهم حين أمرهم أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ، ولا يبطلوا أعمالهم: { ولا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35)(محمد) .

        ـ وهذا سيدنا إبراهيم ، ـ وسيدنا إبراهيم أمّةٌ وحده والخير أصلٌ فيه ، ومنه نتعلم بما وهبه المولى سبحانه من كمال وسداد ـ يهدده أبوه المشرك إن لم يترك دينه ويعدْ إلى الضلال أن يرجمه فماذا يقول له ؟ وبم يجيبه ؟ إنّه عليه السلام دعاه إلى الإيمان فأبى ، ونصحه فرفض ، ووضح له فأصمَّ أذنيه ، وأغلق عينيه عن رؤية الحق :
       { قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)
        قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)
        وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) } (مريم)
    إنه عليه السلام نأى بنفسه عن والده ، وسأل الله السلامة له وسار في ركب الهداية لا يحيد عنه .

        ـ وعاد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمون إلى المدينة من حرب المشركين في غزوة أحد ، فسمعوا من المرجفين أنصار المشركين أن أهل مكة عادوا ليستأصلوهم ـ وخوّفهم هؤلاء المنافقون من المشركين ـ فقالوا لهم : عددهم كبير ، وأسلحتهم ماضية ، وهم عازمون على إنهاء وجودكم ، فلم يكن من المسلمين الذين علَّمهم قائدهم الشجاع ـ صلى الله عليه وسلم ـ الاستعلاء بالله والاستعانة به على كل مكروه إلا إن احتسبوا ذلك عند الله سبحانه ، وجعلوه ملجأهم ونصيرهم وتوكلوا عليه فرجعوا بنعمة السلامة ، وفضل الأجر والثواب :
                    { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ
                        فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
    (173)
                        فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ  
                        وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ  عَظِيمٍ
    (174)} (آل عمران) .

        ـ وأخيراً نقف ملياً أمام صفات عباد الرحمن في سورة الفرقان :
    { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) } ،
    { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ }(من الآية 68) ،
    { وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)}
    فهم :
    1 ـ لا يتكبرون .
    2 ـ يتلطّفون مع الناس ولا يردون الإساءة بالإساءة .
    3 ـ يوحدون الله قولاً وعمل .
    4 ـ وقافون عند حدود الله :
       أ ـ لا يقتلون لمجرّد القتل .
       ب ـ لا يزنون ولا يرتكبون الفواحش .
       جـ ـ يقولون الحق فقط .
       د ـ يعرضون عن اللغو وفارغ الكلام .
       هـ ـ يسمعون آيات ربهم بوعي وفهم .
       
    اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /الجزاء/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 14th 2015, 2:58 pm

    كتاب من اساليب التربية في القرآن الكريم

    الجزاء

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



        هو أن ينال الإنسان حقّه لفعلٍ فَعَله ، أو قولٍ قاله إن خيراً فخيرٌ ، وإن شراً فشرّ ، وأن تقضيَه المِثْلَ المناسب .
        وكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِنْ خلفه أكّدَ على الجزاء :

    1ـ  لأنَّ فيه العدل ، ينصف المظلوم ، ويردع الظالم .
    2ـ  لأنّ الإنسانَ خُلِقَ يتنازعه الخير والشرُّ، فكان الجزاء مساعداً على كبح الشر،وإطلاق الخير .
    3ـ  لأنّه عنوان القوّة ، والحقّ بغير قوة يضيع فلا بدّ من الجزاء لنصرة الحق .

        ـ قال الله سبحانه وتعالى مؤكداً على الحساب المؤدي إلى الجزاء بشقيه الثواب والعقاب
    { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 )}(الزلزلة) .
        ونبّه إلى أن العمل يعود على صاحبه بالنفع والضرر ، فقال سبحانه : { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا . . .}(من الآية 46 فصلت) .وقال جلّ جلاله :  { وجزاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ...}(من الآية 40 الشورى) ، وقال أيضاً : { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)}(الرحمن) .

        ـ والذي أقصده من الجزاء في هذا الباب الثواب والعقاب في الحياة الدنيا ، أما الآخرة وحسابها ثواباً وعقاباً ، فقد تناولته ضمن أبواب أخرى ، وسوف أتناول هنا :
    1ـ  جزاء الأقوام الذين كذبوا أنبياءهم أو آمنوا بهم .
    2ـ  جزاء الأقوام الذين كفروا نعمة الله .
    3ـ  الجزاء الذي نال بعضَ الأفراد نعمةً ونقمةً ، من الله تعالى أو من البشر .

        1ـ قصَّ علينا القرآن الكريم جزاء عديد من الأمم الذين كذبوا أنبياءهم .

        ـ فهذا سيدنا نوح لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، يدعوهم إلى الله وحده ، فيأبون ذلك ، ويتواصون بتكذيبه ، فماذا كانت العقوبة ؟ قال تعالى يحددها :
    أ   ـ { فَكَذَّبُوهُ
    ب ـ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ
    جـ ـ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ
    د  ـ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا
    هـ ـ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)}(يونس) .

        ـ وهذا سيدنا هود أرسل إلى قوم عاد ، يأمرهم بعبادة الله وحده ، واستغفاره والاتكال عليه وحده ، فردوا عليه رداً قبيحاً ، واتهموه بالسَّفه ، فتبرأ منهم ، ولجأ إلى الله سبحانه وتعالى ، فعاقبهم الله تعالى عقاباً شديداً { كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21)}(القمر) .

        ـ أما ثمود قوم صالح عليه السلام فلم يكونوا خيراً من أسلافهم ، فإنهم لما كذّبوه وقتلوا الناقة هددهم بالعذاب بعد ثلاثة أيام ، ثم بدأ عذاب الخزي العظيم . . قال تعالى :
        { فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)
        فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66)
        وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) }(هود) .

        ـ وقوم لوط كانوا يعملون الفواحش ، وحين جاءته الملائكة أسرع إليه هؤلاء المجرمون ليفعلوا فيهم ما اعتادوا من الفاحشة ، فكانت قاصمةَ الظهر إذ نجّى الله تعالى لوطاً وأهله إلا امرأته ، وكان موعد العذاب الصبح { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)}(هود) .
        ـ وهذا سيدنا شعيب يدعو قومه إلى دعوة الأنبياء كلهم ـ التوحيد ـ وإيفاء المكيال والميزان حقهما ، وعدم أكل حقوق الناس والبغي والفساد ، فاستهزؤوا به ، وسفّهوا رأيه وهدّدوه بالرجم ، فكيف نزل عليهم العذاب ؟ قال تعالى : { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)}(هود) .

        ـ وفرعون ذلك المتألّه الجبار المتكبّر سام بني إسرائيل سوء العذاب ، ذبح أبناءهم ، واستحيا نساءهم ، وكفر بالله عزّ وجلّ ، ونادى متحدياً ، قال تعالى : { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)}(النازعات)  فكيف أباده الله تعالى ؟! أمر الله تعالى موسى أن ينطلق ليلاً إلى جهة الشرق ، حيث سيناء ، ثم بلاد الشام لينجو بقومه من شرّ فرعون ، فتبعهم هذا الشيطان ليستأصلهم
        { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)
        قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)
        فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)
        وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64)
        وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65)
        ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66)}(الشعراء) .

        ـ إن الجزاء قد يكون ماحقاً للمدن وأهلها ، وقد تبقى هذه المدن شاهدة على استئصال أهلها ، فتبقى خالية منهم ليعتبر المارّون عليها { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ  وَحَصِيدٌ (100)}(هود) .
        أما الذين آمنوا برسالات أنبيائهم ، وعرفوا الله فأسلموا له ـ سبحانه ـ قيادهم فقد عاشوا في الدنيا حياة رغيدة ـ مثالهم قوم يونس عليه السلام إذ قال الله تعالى يحدثنا عنه : { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآَمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148)}(الصافات) .

        2ـ إن قوم سبأ لما كفروا نعمة الله خرّب الله ملكهم ، وشتت شملهم ، ومزّقهم شرَّ ممزّق ، وجعلهم عبرةً لمن يعتبر .
        فقد كانت قراهم متقاربة ، والأمان بينها وافراً والبساتين تظلل الطرقات ، فيسافر الإنسان من اليمن إلى بلاد الشام لا يحتاج للزاد ، فكفروا بأنعم الله ، فماذا كانت النتيجة ؟ { فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)} (سبأ) .
        إن الذي يُعْرِض عن ذكر الله يعاقبه ، فهؤلاء كما رأينا أرسل الله عليهم الطوفان فغرقت دورهم ، وخربت بساتينهم ، وانقلبت ثمارهم أشواكاً مرّةً وسدراً ، ولم يكتفوا بذلك بل سألوا الله أن تكون الأرض مفاوز وصحارى في سفرهم ، حتى يشعروا بمشاق السفر . . وهذا تفكير سفيه عجيب . . . فعاقبهم الله على كفرهم النعمة بأن :
    1 ـ  باعد بين مدنهم .
    2 ـ  جعلهم أخباراً تروى دالة عى جحودهم .
    3 ـ  فرّقهم في البلاد شذر مذر ، ليكونوا عبرة لمن يعتبر .
        قال تعالى : { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)}(سبأ) .

        ـ ألم يقل الله سبحانه وتعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)}(الحديد) هكذا كان ذو القرنين ، يمشي على هدى من الله ونور ، جعله هادياً للناس في مشارق الأرض ومغاربها ، ومكّن له فيها ، وسهّل له ما يساعده على نشر الدين في المعمورة ، فكان إذا مرَّ على قوم دعاهم إلى الله ، فإن كفروا عذّبهم بالقتل ، وبعد القتل نار الله الحامية ، وإن آمنوا أحسن إليهم ، فعاشوا في خير الدنيا وبركتها ، ثم يلقون عند الله سبحانه الجنّة ، ونعيمها . . ثوابان . . وعقابان
    { قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)}(الكهف) .

        3 ـ كان لرجل مسلم من أهل صنعاء بستان فيه أنواع النخيل والزروع والثمار ، فإذا حان وقت جني الثمر أو الحصاد ، دعا الفقراء ، فأعطاهم نصيباً وافراً منه ، وأكرمهم غاية الإكرام ، فلما مات ورثه أبناؤه الثلاثة ، فلم يكونوا مثله ، فعزموا على منع الفقراء ، وجني الثمر خفية في الصباح ، وحلفوا على ذلك فماذا كانت العقوبة ؟ أرسل الله عليها ناراً في الليل أحرقت الأشجار ، وأتلفت الثمار فذهبوا إلى حديقتهم صباحاً فلم يروا فيها شجراً ولا ثمراً ، فظنوا أوّل الأمر أنهم ضلوا الطريق ، ثم تبيّن لهم أن الله سبحانه عاقبهم بنيّتهم السيئة ، فندموا وتابوا على فعلتهم بعد فوات الأوان .
        وكان الله تعالى اختبر أهل مكة ، بدعوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين كلفهم أن يشكروا ربهم فكفروا بنعمته فكان مثلهم كمثل أصحاب البستان
        { إ ِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)
        وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)
        فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19)
        فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)
        فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21)
        أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22)
        فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23)
        أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24)
        وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25)
        فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26)
        بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)
        قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28)
        قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)
        فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30)
        قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31)
       عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)}(القلم) .
       إن عقوبتهم رادعة ، تعلموا منها أن يكونوا كراماً وأن يساعدوا الفقراء ليكون الله في عونهم ، فالله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .

    - وما جزاء من يتهم الشريفات العفيفات بما لا يليق ، فيمتهنهنّ ويقذف أعراضهنّ ؟ إنه الجلد وإسقاط حقهم المدني ، ثم الجزاء الأخرويّ الشديد ، فهم في عداد الفاسقين :
        ـ { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
    1 ـ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
    2 ـ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا
    3 ـ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)}(النور) .
    والعقوبة في هذه الآية ثلاثة أنواع :
          الأولى : عقوبة جسدية (( الجلد )) .
          الثانية : عقوبة معنوية لا تقبل لهم شهادة فحقوقهم المدنية ساقطة .
          الثالثة : عقوبة في الآخرة . . النار لأنهم فاسقون .

        ـ حين دعت امرأة العزيز سيدنا يوسف إلى الزنا وارتكاب الفاحشة عصمه الله تعالى ، وبدل أن يكافئه المجتمع لطهره وعفافه فتكون هذه المكافئة دفعاً لشباب الأمة إلى سلوك مسلكه عوقب بالسجن !!! ليضيع في متاهات أقبيته ، ويضيع الشباب في حمأة الرذيلة !! { قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)} (يوسف) . وفعلاً سجنوه!!
        { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)}(يوسف) .
        والدلائل كلها تشير إلى براءته ، ولكنْ سهلٌ على كبار القوم أن يلفّقوا التهم إلى الشرفاء ، لينجوا بأنفسهم بصرف الأنظار إلى غيرهم . . . !! .

        هذا عن العقوبة ، أما أمثلة الجزاء ثواباً .
        فإن يوسف عليه السلام حين أوّل منام الملك ، ورفض الخروج من السجن ، إلا أن تظهر براءته ، فاعترفت امرأة العزيز بالحقيقة ، سُرَّ الحاضرون لنزاهته { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)} (يوسف) فانتقل من السجن إلى الصدارة والوزارة .

        وهذا موسى عليه السلام يصل إلى مدين ويسقي للفتاتين ويأوي إلى ظل شجرة ، فيدعو الله التيسير ، فتأتيه إحداهما قائلة : {... إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ...}(من الآية 25 القصص) . فيزوجه أبوها إياها ، ويعيش آمناً .
        والثواب على عمل الخير يدفع إلى الاستمرار فيه .

        وليتنا نقف ملياً عند هذه الآيات التي تكررت في سورة الصافات في حقِّ الأنبياء الكرام : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وهارون ، وآل ياسين { سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81)} (الصافات) .
        { سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)}(الصافات) .
        { سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)} (الصافات) .
        { سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا   الْمُؤْمِنِينَ (132)}(الصافات) .
        فَذِكْرُهُمْ إلى آخر الزمان تقدير ، وتبجيل ، وتعظيم . . . أهناك أحسن من هذا الثواب العظيم المستمر إلى أبد الآبدين ؟ ولهم في الآخرة المكان العالي والمكانة الرفيعة .

    يتبع



    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /الحذر والحَيطة /د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 14th 2015, 8:30 pm

    كتاب من اساليب التربية في القرآن الكريم

    الحذر والحَيطة

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    تعلمنا من آبائنا وأجدادنا أنّ درهم وقاية خير من قنطار علاج ، وسدّ الثغرات أسهل بكثير من إعادة بناءٍ أهملناه ، فانهدم .
    كما أن الحذر مطلوب في أيام السلم والحرب ، ومن الصديق والعدو ، ومن الأقارب والأباعد . والحذر كذلك مطلوب من عذاب الله ، وفتنة الشيطان ، والتصرف مع الآخرين بما لا يليق . وبشكل عام يجب الحذر وأخذ الحيطة دائماً ومن كل شيء ، دون الوصول إلى التوهّم والتوجس الذي يزيد عن حده ، ولله درّ القائل :
    احــذر عـدوّك مــرّةً * واحذر صديقك ألف مره
    فلربما انقلب الصديق * فـكان أعلم بالمـضـرَّه

    1ـ فهناك الحذر من العدو المتربص في كل زمان ومكان ، ينتظر حالة الغفلة والاسترخاء في الصف الإسلامي ، وهي حالة تتعارض مع حالة اليقظة . . إن العدو بارع بانتهاز الفرص التي تصنعها له حالة ُ الغفلة ، فماذا يفعل العدو ، إنه يميل علينا ميلة لا تبقي ولا تذر ، تهلك الحرث والنسل ، وتهتك العرض ، وتغتصب الأرض ، وتستولي على الديار ، وتتحكم بعباد الله بطغيان لا مثيل له .
    قال تعالى : { وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً }(من الآية 102 النساء) .
    ويقول الله تعالى آمراً بالاحتراز من العدو والاستعداد له : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71)}(النساء).
    وقد أمر الله تعالى أن لا نتخذ الكافرين أولياء ، وأن لا نجالسهم إذا استهزؤوا بديننا ، ومَنْ استمرأ الجلوس معهم ، ومؤانستهم كان منهم ، وانتهى إلى مصيرهم فقال :{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) }(النساء).
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)}(النساء) .
    ويؤكد الله سبحانه وتعالى المعنى حين يقول ناهياً عن مجالسة اليهود والنصارى وموالاتهم:
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)}(المائدة) .

    وسورة " المنافقون " كلها تحذير منهم . وإليك مثالاً واحداً ، فهم :

    1ـ يدّعون أنهم آمنوا بمحمد نبياً ويشهدون بذلك .
    2ـ الله سبحانه يؤكد نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ويشهد أن المنافقين يكذبون في شهادتهم .
    3ـ والمنافقون يتخذون الأيمان سبيلاً إلى الإيهام بصدقهم .
    4ـ يجب الحذر منهم لأنّهم لا يقرّون على قرار ، يؤمنون مرة ويكفرون أخرى .
    5ـ لا يغرَّنّ منظرُهم وفخامةُ مظهرهم ، فهم خشب مسنّدة ظاهرها متين ، وجوفها فارغ .
    6ـ يجب الحذرُ منهم ، فهم أشدَّ كرهاً للمسلمين ، وهم كذّابون .
    قال تعالى : { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
    وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
    وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ
    (1)
    اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)
    ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3)
    وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
    هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
    (4)}(المنافقون) .

    2ـ وهناك الحذر من الشيطان ، قال تعالى : {. . . . وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)}(الأنعام) .
    فالشيطان يأمر بالمفاسد ، والحذرُ من اتباعه واجب ، والاحتراس مطلوب : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)}(النور) .
    وبما أن الشيطان عدو لنا ، فمن الواجب أن تتخذه عدواً ، فهو يورد من اتبعه النار ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)}(فاطر) .
    وعلى هذا الأساس كانت الاستعاذة بالله من الشيطان ، ومكره ، ووسواسه ، وتشكيكه بالحق! قال تعالى : { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) }(الأعراف) .

    3ـ وهناك الحذر من عذاب الله ، والفتنة ، وعدم الاستجابة للرسول الكريم .
    فالرسول الكريم يدعو إلى الله ودينه القويم ، فمن نأى وصدَّ صرف الله قلبه عن الإيمان ، وأصابته فتنة تودي به إلى قعر جهنّم ، قال تعالى :
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) }(الأنفال) .

    كما أنه لا يجوز خطبة امرأة في عدتها ، فمن فعل فقد أثم ، قال تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ . . . }(من الآية 235 البقرة) .

    وينهانا الله تعالى عن مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين يأمر بأمر ، فينسَلُّ بعضهم إلى الوراء خارجاً دون استئذان ، وهو الآن في لقاء مع القائد والتزام الوجود من أدب اللقاء ، والاستئذان مشروع لمغادرة مكان الاجتماع ، ويحذرنا الله تعالى أن تعلو أصواتنا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأمام حجرته الشريفة ، فهذا من الأدب معه صلى الله عليه وسلم: { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)}(النور) .
    أما خيانة الله ، فبترك فرائضه ، وخيانة الرسول بترك سنته ، وخيانة الأمانة عدمُ تحمل مسؤولية العمل بكتاب الله وسنّة رسوله ، وترك الدعوة إلى الله سبحانه ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) }(الأنفال).

    4ـ وهناك الحذر من الفتنة بأنواعها .
    فتنة الأموال ، والأولاد والزوج ، قال تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) }(الأنفال) .
    وقال أيضاً : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)}(التغابن) .

    والله سبحانه وتعالى ، حذّر الرسول الكريم من الركون إلى الذين كفروا . . هؤلاء الذين يريدون منه عليه الصلاة والسلام أن ينصرف عن وحي الله تعالى ، أو أن يزيد على هذا الوحي ما يخالف الدين ، وحاشا رسولَ الله أن يفعل هذا ، فهو الأمين المؤتمن ، ولكنّه درس لنا معشر المسلمين في الثبات على دين الله ، والدفاع عنه دون أن نهتمَّ بوعيد الكفار وتهديدهم ، أو إغرائهم للدعاة ، فالمؤمن وقاف على حدود الله :{ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)}(الإسراء).

    وانظر إلى حذر الوالد يعقوب ، ففي أكثر من مكان في سورة يوسف يظهر الحذر في حديثه مع أولاده ، فلما سألوه أن يرسل أخا يوسف ( بنيامين ) معهم لأن يوسف منع عنهم الكيل إلا بحضوره ، قال تعالى : { قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) }(يوسف) .
    ثم طلب منهم موثقاً على إعادته إن استطاعوا :{ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)}(يوسف) .
    ثم أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة خوف العين الحاسدة ، وهو موقن أن الله يفعل ما يشاء . .
    وهذا موسى يستصرخه رجل من بني قومه على رجل من آل فرعون فيجيبه ، ويضرب ذلك الرجل فيقتله ، وهو لا يريد قتله ، فاستغفر ربه ، ووعده ألا يكون عوناً للمجرمين . . . وبعد أن قتله { فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ }(من الآية 18 القصص)
    والترقب : انتظار الطلب أن يدركه
    حتى إن الفتاتين اللتين كانتا مع الأنعام ابتعدتا عن الرجال لا تختلطان بهم ، وتنتظران حتى يفرغوا فتتقدّمان لسقي ماشيتهما { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)}(القصص) .
    وحين أُمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون قال حاذراً طالباً مساعدة أخيه : { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)}(القصص) .
    فالحذر في كل الأمور مطلوبٌ ، حتى ولو كان كل شيء معك . . فقد قيل : ( من مأمنه يؤتى الحذر ) .

    ويجب الحذر من تناقل الإشاعات أياً كانت ، فهي مغرضة مؤذية إذا تناقلها الناس دون تمحيصها { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)}(الحجرات) .

    والحذر يأمرنا كذلك أن نردَّ كل ما نسمعه إلى المختصين كي لا نقع في المحذور الذي يحفره لنا الأعداء ، قال تعالى : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)}(النساء).

    وتأمل معي حَذّرّ النملة التي رأت جيش سليمان عليه السلام قادماً إلى الوادي ، فحذَّرت النمل أن تبتعد عن الطريق كي لا ينالها الأذى { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)}(النمل) .

    أفلا يكون المسلم العاقل أشدَّ حذراً منها كي لا يقع في المحذور ؟!! .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /الحذر والحَيطة/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 14th 2015, 8:40 pm

    كتاب من اساليب التربية في القرآن الكريم

    الحذر والحَيطة

    الدكتور عثمان قدري مكانسي




        تعلمنا من آبائنا وأجدادنا أنّ درهم وقاية خير من قنطار علاج ، وسدّ الثغرات أسهل بكثير من إعادة بناءٍ أهملناه ، فانهدم .
        كما أن الحذر مطلوب في أيام السلم والحرب ، ومن الصديق والعدو ، ومن الأقارب  والأباعد . والحذر كذلك مطلوب من عذاب الله ، وفتنة الشيطان ، والتصرف مع الآخرين بما لا يليق . وبشكل عام يجب الحذر وأخذ الحيطة دائماً ومن كل شيء ، دون الوصول إلى التوهّم والتوجس الذي يزيد عن حده ، ولله درّ القائل :
       
    احــذر عـدوّك مــرّةً  *   واحذر صديقك ألف مره
        فلربما انقلب الصديق *  فـكان أعلم بالمـضـرَّه

        1ـ فهناك الحذر من العدو المتربص في كل زمان ومكان ، ينتظر حالة الغفلة والاسترخاء في الصف الإسلامي ، وهي حالة تتعارض مع حالة اليقظة . . إن العدو بارع بانتهاز الفرص التي تصنعها له حالة ُ الغفلة ، فماذا يفعل العدو ، إنه يميل علينا ميلة لا تبقي ولا تذر ، تهلك الحرث والنسل ، وتهتك العرض ، وتغتصب الأرض ، وتستولي على الديار ، وتتحكم بعباد الله بطغيان لا مثيل له .
        قال تعالى : { وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً }(من الآية 102 النساء) .
        ويقول الله تعالى آمراً بالاحتراز من العدو والاستعداد له : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71)}(النساء).
        وقد أمر الله تعالى أن لا نتخذ الكافرين أولياء ، وأن لا نجالسهم إذا استهزؤوا بديننا ، ومَنْ استمرأ الجلوس معهم ، ومؤانستهم كان منهم ، وانتهى إلى مصيرهم  فقال :{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) }(النساء).
        { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)}(النساء) .
        ويؤكد الله سبحانه وتعالى المعنى حين يقول ناهياً عن مجالسة اليهود والنصارى وموالاتهم:
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)}(المائدة) .
     
     وسورة " المنافقون " كلها تحذير منهم . وإليك مثالاً واحداً ، فهم :

    1ـ  يدّعون أنهم آمنوا بمحمد نبياً ويشهدون بذلك .
    2ـ  الله سبحانه يؤكد نبوّة محمد عليه الصلاة والسلام ويشهد أن المنافقين يكذبون في شهادتهم .
    3ـ  والمنافقون يتخذون الأيمان سبيلاً إلى الإيهام بصدقهم .
    4ـ  يجب الحذر منهم لأنّهم لا يقرّون على قرار ، يؤمنون مرة ويكفرون أخرى .
    5ـ  لا يغرَّنّ منظرُهم وفخامةُ مظهرهم ، فهم خشب مسنّدة ظاهرها متين ، وجوفها فارغ .
    6ـ  يجب الحذرُ منهم ، فهم أشدَّ كرهاً للمسلمين ، وهم كذّابون .
        قال تعالى : { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
                         وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
                         وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ
    (1)  
                         اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)
                        ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3)
                        وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
                        هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
    (4)}(المنافقون) .

        2ـ وهناك الحذر من الشيطان ، قال تعالى : {. . . . وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)}(الأنعام) .
        فالشيطان يأمر بالمفاسد ، والحذرُ من اتباعه واجب ، والاحتراس مطلوب : {  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)}(النور) .
        وبما أن الشيطان عدو لنا ، فمن الواجب أن تتخذه عدواً ، فهو يورد من اتبعه النار ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)}(فاطر) .
        وعلى هذا الأساس كانت الاستعاذة بالله من الشيطان ، ومكره ، ووسواسه ، وتشكيكه بالحق! قال تعالى : { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) }(الأعراف) .

        3ـ وهناك الحذر من عذاب الله ، والفتنة ، وعدم الاستجابة للرسول الكريم .
        فالرسول الكريم يدعو إلى الله ودينه القويم ، فمن نأى وصدَّ صرف الله قلبه عن الإيمان ، وأصابته فتنة تودي به إلى قعر جهنّم ، قال تعالى :
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) }(الأنفال) .

        كما أنه لا يجوز خطبة امرأة في عدتها ، فمن فعل فقد أثم ، قال تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ . . . }(من الآية 235 البقرة) .

        وينهانا الله تعالى عن مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين يأمر بأمر ، فينسَلُّ بعضهم إلى الوراء خارجاً دون استئذان ، وهو الآن في لقاء مع القائد والتزام الوجود من أدب اللقاء ، والاستئذان مشروع لمغادرة مكان الاجتماع ، ويحذرنا الله تعالى أن تعلو أصواتنا في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأمام حجرته الشريفة ، فهذا من الأدب معه  صلى الله عليه وسلم: { لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)}(النور) .
        أما خيانة الله ، فبترك فرائضه ، وخيانة الرسول بترك سنته ، وخيانة الأمانة عدمُ تحمل مسؤولية العمل بكتاب الله وسنّة رسوله ، وترك الدعوة إلى الله سبحانه ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) }(الأنفال).

        4ـ وهناك الحذر من الفتنة بأنواعها .
        فتنة الأموال ، والأولاد والزوج ، قال تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) }(الأنفال) .
        وقال أيضاً : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)}(التغابن) .
     
     والله سبحانه وتعالى ، حذّر الرسول الكريم من الركون إلى الذين كفروا . . هؤلاء الذين يريدون منه عليه الصلاة والسلام أن ينصرف عن وحي الله تعالى ، أو أن يزيد على هذا الوحي ما يخالف الدين ، وحاشا رسولَ الله أن يفعل هذا ، فهو الأمين المؤتمن ، ولكنّه درس لنا معشر المسلمين في الثبات على دين الله ، والدفاع عنه دون أن نهتمَّ بوعيد الكفار وتهديدهم ، أو إغرائهم للدعاة ، فالمؤمن وقاف على حدود الله :{ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)}(الإسراء).

        وانظر إلى حذر الوالد يعقوب ، ففي أكثر من مكان في سورة يوسف يظهر الحذر في حديثه مع أولاده ، فلما سألوه أن يرسل أخا يوسف ( بنيامين ) معهم لأن يوسف منع عنهم الكيل إلا بحضوره ، قال تعالى : { قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) }(يوسف) .
        ثم طلب منهم موثقاً على إعادته إن استطاعوا :{ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)}(يوسف) .
        ثم أمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة خوف العين الحاسدة ، وهو موقن أن الله يفعل ما   يشاء . .
        وهذا موسى يستصرخه رجل من بني قومه على رجل من آل فرعون فيجيبه ، ويضرب ذلك الرجل فيقتله ، وهو لا يريد قتله ، فاستغفر ربه ، ووعده ألا يكون عوناً للمجرمين . . . وبعد أن قتله { فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ }(من الآية 18 القصص)
    والترقب : انتظار الطلب أن يدركه
    حتى إن الفتاتين اللتين كانتا مع الأنعام ابتعدتا عن الرجال لا تختلطان بهم ، وتنتظران حتى يفرغوا فتتقدّمان لسقي ماشيتهما { وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)}(القصص)  .
        وحين أُمر موسى عليه السلام بالذهاب إلى فرعون قال حاذراً طالباً مساعدة أخيه : { قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)}(القصص) .
        فالحذر في كل الأمور مطلوبٌ ، حتى ولو كان كل شيء معك . . فقد قيل : ( من مأمنه يؤتى الحذر ) .
     
     ويجب الحذر من تناقل الإشاعات أياً كانت ، فهي مغرضة مؤذية إذا تناقلها الناس دون تمحيصها { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)}(الحجرات) .
       
    والحذر يأمرنا كذلك أن نردَّ كل ما نسمعه إلى المختصين كي لا نقع في المحذور الذي يحفره لنا الأعداء ، قال تعالى : {  وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)}(النساء).
       
    وتأمل معي حَذّرّ النملة التي رأت جيش سليمان عليه السلام قادماً إلى الوادي ، فحذَّرت النمل أن تبتعد عن الطريق كي لا ينالها الأذى { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)}(النمل) .

       أفلا يكون المسلم العاقل أشدَّ حذراً منها كي لا يقع في المحذور ؟!! .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /أساليب القتال/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 14th 2015, 9:29 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    أساليب القتال

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من المدينة إلى معركة أحد بجيش قوامه ألف مقاتل . ولما تراءى الجمعان عاد عبد الله بن أبي سلول بثلاث مئة من المنافقين إلى المدينة غير راغبين في القتال . أما حجتهم فلأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُصغِ إلى قولهم أن يتحصنوا في المدينة ،إنما استمع لقول الشباب ، فخرج بهم إلى ظاهرها ، أما الحقيقة فهي أن المنافقين جبناء كما ذكرنا ذلك في أسلوب " تطهير الصف " . ولماذا يقاتلون ، وهم يرون أن المشركين أقرب إليهم من المسلمين ، ويتمنون من كل قلوبهم أن ينتصر المشركون على المسلمين ! .

    1ـ انتظام الصفوف :
    إذاً عاد ثلاث مئة ، وبقي المسلمون سبع مئة ، والمشركون ثلاثة آلاف مقاتل ، فهم إذن أكثر من المسلمين بما ينوف على أربعة أضعاف .
    كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحدد مكان المقاتلين ، ويصفُّهم لقتال عدوهم . وحين ساور الخوف قبيلتين مسلمتين هما : بنو سلمة وبنو الحارث ـ فقد أهموا أن يعودوا لاعتقادهم أن العدد غير المكافىء لا يبشر بنصر ـ جاءهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم يشجعهم ويثبتهم ، ويرفع من عزائمهم ، وهكذا كان .
    قال تعالى : { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122)}(آل عمران) .
    فالقتال إذاً كان صفوفاً تثبتت في مكانها تصدُّ الهجوم ، ثم تنتقل إلى الهجوم .
    وهناك أيضاً ترتيب الأصناف ، كل مع جنسه قال تعالى:
    { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)}(النمل) .
    يوزعون : يوقف أوائلهم لتلحقهم أواخرهم .
    فلم تكن هناك فرجات بين الأنواع ، وإن كانت منفصلة يتبع بعضها بعضاً ، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى أنه يجب أن يكون المقاتلون لُحمة واحدة ، وصفاً منضبطاً ، وحركة متتابعة { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)}(الصف) .
    والانتظام صفوفاً يورث الهيبة والجلال في نفس الناظر ، ففي يوم القيامة تنزل الملائكة من السماء صفوفاً متتابعة ، تبعث على الخوف ، والإجلال ، والرهبة ،قال تعالى:
    { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)}(النبأ) .
    { كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)}(الفجر) .
    والصفُّ المتراص دلالة على الوحدة والقوة ، فهذا فرعون يأمر السحرة أن يأتوا صفاً واحداً ليرهبوا بمنظرهم وحركتهم موسى عليه السلام ، وليزرعوا الإعجاب والإكبار في نفوس عامة الشعب ، بل إن السحرة أنفسهم كانوا أصحاب هذا الأسلوب،قال تعالى :
    { فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)}(طه) .

    2ـ القتال من وراء الحصون :
    ويكشف الله سبحانه وتعالى جبن اليهود ، وهلعهم من لقاء المسلمين ، فهم لا يقاتلون وجهاً لوجه ، إنما يتتّرسون بالحصون العالية القوية ، والجُدُرِ السميكة المتينة ، يقول الله سبحانه وتعالى :
    { لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14){(الحشر) .
    وهم الآن على قوتهم ، وكثرة سلاحهم لا يقاتلون مشاة هاجمة ، أو محمولة ، وإنما يقاتلون وهم داخل الدبابات ، ومن وراء الخنادق ، وداخل الملاجىء السميكة ، والصواريخ العابرة والطائرات . . . صحيح أن هذا النوع من القتال الآن هو الأكثر فائدة ونجاة إلا أنهم لا يستطيعون مواجهة الجيش المعادي سفاحاً ، وأفضل سلاح لديهم وأفضل طريقة في القتال بث الفرقة بين المسلمين ، وجعلهم أعداءً بعضهم لبعض .
    وحين يعرف المسلمون أنفسهم حق المعرفة ، ويتوحدون ، ويحكِّمون شرع الله فيما بينهم تسقط أسطورة اليهود ، ويذوبون كما يذوب الجليد في الظهيرة الحارة . . .

    3ـ الحرب الصاعقة السريعة تشل الحركة :
    وقد أكدت الآيات في القرآن الكريم على :
    قطع الرقاب وأصابع الأيدي كي لا تستطيع حمل السلاح .
    { إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ
    فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ
    فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)}(الأنفال) .
    وهي ، الحرب النفسية الإيجابية للمسلمين ، والسلبية للأعداء ، وتكون الضربة القاضية بقطع الأعناق ، وشلّ الحركة بقطع الأصابع (( فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا }(من الآية 4 محمد(القتال)) .

    4ـ الإثخان في القتل والاستئصال :
    وهنا ينبهنا الله تعالى أن نشتد في قتل الأعداء ، حتى يعلموا أننا لا نرحمهم إن فكروا في الاعتداء علينا ، فإذا كثر فيهم القتل ، وبلغت قلوبهم الحناجر ، واستسلموا جاز لنا أن نأخذ منهم أسرى ، أما في بداية المعركة ووسطها فليس لنا إلا القتل والاستئصال لأعداء الله كي تخنس نفوسهم وتذل ، فلا يفكّروا مستقبلاً في إيذاء المسلمين والتصدي لهم، قال تعالى :
    { فإما تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) }(الأنفال) .
    ونجد الأمر بالإثخان ، وكثرة الإصابة في قوله تعالى : { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) }(الأنفال) .

    وذكر الله سبحانه وتعالى قُوّة موسى حين دخل المدينة على حين غفلة من أهلها :
    { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ }(من الآية 15 القصص) .
    والوكز : ضربة في الصدر بجمع الكف .

    وفي السنَّة النبوية طرقٌ عديدة في القتال ، وليس في القرآن الكريم الكثير منها ، لأنه ـ كما نعلم ـ كتاب تشريع وكتاب حياة ـ التفصيل فيه في الحياة المعيشية غير وارد .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /تطهير الصف/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 14th 2015, 9:46 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    تطهير الصف

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    المجتمع الإسلامي لا يمنع أن يعيش غير المسلمين فيه ، وليس فيه ما يسمى التطهير العرقي الذي تمارسه كثير من الدول ضد المسلمين في أصقاع العالم كله ، والتاريح الإسلامي شاهد على ذلك ، لكنّه يمنع أن يمارسوا ما يخالف الإسلام ، ويفسد المسلمين .
    للآخرين أن يمارسوا طقوسهم وعاداتهم دون أن ينتج أثر سلبي على المسلمين فإذا حدث هذا منعوا من إقامتها ، لأن درهم وقاية خير من قنطار علاج ، وقد لا ينفع قناطير في تطهير هذا الأثر السلبي .
    كما أن المجتمع الإسلامي في مناسك العبادة ، والأجهزة المهمة التابعة له لا يقبل وجود عنصر غريب عنه ليبقى نقياً صافياً من الشوائب التي قد تعطل مسيرته وتقلل من إيجابيّاته .

    وقد علم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن عامله على العراق أبا موسى الأشعري استعمل يهودياً على ديوان المحاسبة ، فأرسل إليه أن يصرفه عن العمل ، لكن أبا موسى أرسل إليه : إننا لا نجد من يقوم مقامه ، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن أرسل إليه يقول : (( مات اليهودي )) إنهما كلمتان واضحتان لا لبس فيهما . . فاضطر أبو موسى أن يصرفه .
    وفي القرآن الكريم ما يعضّدُ فعل عمر رضي الله عنه ، فالصف المسلم ينفي عنه ما يعوق تقدّمه ويثقل كاهله .

    ـ فهذا طالوت ملك اليهود ينطلق بجيشه لقتال العماليق ، وقد علم أن في جيشه كثيراً من الجبناء ، وضعفاء الإيمان ، وغير الملتزمين بالطاعة والولاء ، وجيشٌ فيه أمثال هؤلاء يهرب من أوّل لقاء ، فأراد أن يتخلّص منهم ، فمرَّ بهم على نهر،قال تعالى: { فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ..}
    فتخلص من الكثير منهم وبقي بعضهم في جيشه ، وظل الباقون شوكة في القلب ، فانظر ما فعلوا حين التقى الجيشان
    { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ..}
    فالخوف من الجهاد يورث الذل والهوان أما الإيمان بالله والاعتماد عليه فكان في جواب الربانيين حين قالوا :
    { ...قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) }(البقرة) .
    تخلص طالوت من القسم الأكبر من جيشه ، فلا حاجة للعدد الكثير الضعيف ، ولا للمختلفين في آرائهم ومشاربهم ، هؤلاء عبء متعب ، وضغث على إبّالة ، والعدد القليل المؤمن المتجانس في الطاعة ، والولاء ، والإيمان خير وأقوى ، وهكذا كان . . فقد انتصرت القلة المؤمنة بإذن الله على العدد الكبير الكافر .

    ـ وهذا سيدنا موسى يعود من لقاء ربه في جبل الطور ، فيرى قومه قد ضلوا على الرغم من وجود هارون عليه السلام بينهم ، وكان السامري قد رأى جبريل جاء على فرس الحياة ، فألقى الشيطان في نفسه أن يقبض قبضة من أثر فرس جبريل ، فطرحها على طينٍ صنعه فكان له خوار ، فعبدوه لأن أصول الوثنية فيهم كانت راسخة فماذا فعل موسى :
    1ـ عاقب السامريَّ بأن طرده من المجتمع المسلم ، فلا مكان فيه لفاسد .
    2ـ حرَّق إله الذي صنعه بنفسه وذرّ رماده في البحر .
    3ـ بيّن لليهود أن الله تعالى هو الذي يستحق العبادة لا غيره .
    قال تعالى: { قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) }(طه) .
    وكانت عقوبة السامري المفسد رائعة حين طرده موسى عليه السلام من المجتمع المؤمن .

    ـ وفي حج العام التاسع للهجرة كان أميرَ الحج سيدُنا أبو بكر الصديق ، ونزلت سورة براءة على الرسول صلى الله عليه وسلم ، فأمر علياً رضي الله عنه أن يلتحق بالصديق ليقرأ هذه السورة على المسلمين ، ومنها هذه الآية الكريمة : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) }(التوبة) .
    فمُنِعَ المشركين أن يحجوا اعتباراً من العام القادم ، فالإسلام دين الطهر ، والمسلمون طاهرون ، والشرك رجس نجس ، والمشركون كذلك ، فلا يسمح لهم أن يختلطوا بالمسلمين حين يؤدون المناسك ، وهكذا طهر البيت الحرام .
    ولئن كان المشركون يجلبون الأطعمة والتجارات في مواسم الحج ، لقد أبدل الله مكة رزقاً خيراً من ذلك ، لقد رزقها الغنائم والجزية ، وأموال المسلمين الطاهرة .

    ـ لم يكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلن عن وجهته إذا غزا إلا ما كان في غزوة تبوك ، لأن المسافة بعيدة ، والمشاق كثيرة ، ولا بدَّ أن يعرف المسلمين وجهتهم ليجهزوا أنفسهم ، فأعلمهم بها ، فجاء المنافقون يستأذنونه في البقاء في المدينة بأعذار واهية ، فقبلها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو لا يريد في المقاتلين ذوي أهواء ، مفسدين . لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ، بخلاء . وعلم الله فيهم هذه المفاسد فثبطهم وحبب إليهم القعود لأثرهم السلبي ، وحبهم للفتنة ، بينما يجب أن يكون الصف الإسلامي طاهراً من كل هذه الخبائث ليكون لحمة واحدة وصفاً متماسكاً قوياً ، فالسفر طويل ، والعدو كثير العدد والعدّة ، ولا يستطيع تحمل الأمرين إلا المؤمن التقيُّ النقيُّ ذو النيّة الخالصة لله سبحانه وتعالى المجاهد بنفسه وماله في سبيل الله . قال سبحانه:
    { لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44)
    إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)
    لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) }(التوبة).

    ــ ويؤكد القرآن الكريم على طهارة الصف المسلم فهذا الصف نظيف لا يعمل أفراده الفاحشة { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)}(النور) .

    ــ أما الذي يرمي المحصنات ، فله عقوبات ثلاث : الأولى عقوبة بَدَنية ، والثانية سحب الحق المدني ، فليس له ما للمسلمين ، والثالثة النار في الآخرة لفسقه ،قال تعالى:
    { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
    فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
    وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا
    وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)
    إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)}(النور) .
    والملاحظ إذاً في الآية الآخيرة ، أن الذي أساء للمسلمات لا يعود إلى صف المسلمين إلا إذا تطهَّر بالتوبة ، وأصلح ما أفسده .

    ــ وحادثة الإفك تبدأ بآية توضح بأن الذين خططوا لها كانوا يحسبون على المسلمين ، فلما تولّوا إفكها ، وتحملوا وزرها ، انكشفوا ، فبان الصالح من الطالح ، وتطَّهر الصف المسلم منهم حين عرفوا { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ(7)}(النور) .
    فأما الذين أذاعوه دون تفكير ، فقد عوقبوا وتابوا إلى الله .
    أما المنافق الكبير ابن سلول ، فهذا مع الكفار في جهنم ، والعياذ بالله . وأمثاله في هذا الزمن الذي تكالب فيه المارقون على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها معه في الدرك الأسفل من النار.

    وتعال معي نقرأ الآيتين اللتين تفضح المنافقين وتخرجهم من بوتقة المسلمين : { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) }(الأحزاب) .

    1ـ أمْرُ المنافقون المثبطين للعزائم معروف .
    2ـ هؤلاء يعوّقون الناس عن الجهاد ، ويصدونهم عن القتال .
    3ـ يقولون لإخوانهم في الكفر والنفاق تعالوا إلينا ، واتركوا محمداً ، وأصحابه يهلكوا ، ولا
    تقاتلوا معهم .
    4ـ يحضرون القتال قليلاً سمعة ورياء ، وهذا غَرَضٌ خبيث يريدون به إيهام المسلمين أنهم
    معهم .
    5ـ بخلاء بالمودّة ، والشفقة ، والنصح ، فهم لا يريدون للمسلمين النصح .
    6ـ إذا حضر القتال رأيتهم في رعب شديد لا مثيل له ، فهم شديدو الجبن .
    7ـ وإذا جاء وقت قسمة الغنائم ، فهم سليطو اللسان لا يرحمون المسلمين من ألسنتهم .
    8ـ عملهم باطل لنفاقهم ، فهم حقيقةً لم يؤمنوا .

    ـ وهذا سيدنا نوح حين غرق ابنه فيمن غرق ، وكان الله تعالى وعده أن ينجي أهله اتجه بقلبه إلى ربه { وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)}(هود) . ولا ننسَ رحمة الأب ببنيه ...
    فبم أجابه الله عزّ وجل ؟ : { يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ }(هود) .
    وهنا البراءة من الكافر ، ولو كان أقرب الناس إليك ، فما يجمعك معه إلا العمل الصالح والإيمان بالله تعالى .

    ــ ونجد امرأة لوط كانت ممن أصابهم الموت ، والدمار مع أنها زوجة نبي الله ولكنْ لا بدَّ من تطهير الصف ليبقى نقياً صافياً ليس فيه معوقات { وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33)}(العنكبوت) .

    وهكذا لا يكون الصف سليماً ، ولا يستطيع أن ينهض بدعوته ، إلا إذا كان طاهراً من الأمراض سليماً من المعوّقات ، قوياً ليس فيه طفيليات تمتص نشاطه ، وسوس ينحر فيه .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /التمايز والمفاصلة/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 14th 2015, 9:58 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    التمايز والمفاصلة

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    عرفنا من تطهير الصف أنه لا يجوز أن يكون في الجسم الإسلامي طفيليات تعوق مسيرته ، وتضعف قوّته ، بل يجب أن يتخلّص منها ليبقى نظيفاً سليماً معافى .
    لكنْ لا بدَّ من معايشة بعض المجتمعات غير الإسلامية ، قد يكونون معنا ، وقد يكون جيراناً لنا ، نبايعهم ، ونشتري منهم ، ونتبادل معهم المنافع الدنيوية . . . هذا أمر لا مفر منه ، أما الذي لا ينبغي أن يكون ، فهو الودّ لهم والولاء ، فهنا التمايز والمفاصلة والبراء . . . وهذ الذي نريده في هذا الباب .
    قال الله تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)}(الكافرون). إننا والكفار على طرفي نقيض

    ولقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيّه محمداً عليه الصلاة والسلام أن يتبع إبراهيم عليه السلام في عقيدته السليمة ، فماذا فعل إبراهيم ؟ قال سبحانه:
    { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)
    شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121)
    وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)
    ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)}(النحل) .
    وسيدنا إبراهيم هو الذي { . . . قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)}(الأنعام) .
    فكان موقفه غاية في الصراحة والبراءة من المشركين ، والتمايز عنهم .
    وهو الذي قال لقومه : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)}(مريم) .
    فانفصل عنهم نفسياً وإن ظل بينهم يدعوهم إلى الله تعالى وإلى الدين الحق.
    وهو الذي صرح بعداوة الآلهة المزعومة التي يعبدها قومه { قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) }(الشعراء) .
    وهو عليه السلام الذي توجّه إلى الله سبحانه وتعالى : { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)}(الصافات)

    فالهداية من الله فقط .

    وهو عليه السلام الذي أعلن براءته من عبادة غير الله وأمر أبناءه بذلك ،قال سبحانه :
    { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28)}(الزخرف) .
    وهذا ما ينبغي أن نزرعه في قلوب أبنائنا منذ نعومة أظفارهم .

    ولذلك أعلنها النبي عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)}(يوسف) .

    وحين شهد الكافرون أنّ مع الله آلهة أخرى زوراً وبهتاناً كان القول الفصل من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ البراءة منهم {. . . أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)}(الأنعام) .
    { هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66) }(غافر) . فكان التمايز بيننا وبينهم .

    ويعلن الله سبحانه وتعالى أن رسوله الكريم محمداً عليه الصلاة والسلام بريء من اليهود والنصارى ، الذين بَدّلوا دينهم ، وانقسموا شيعاً ، وأحزاباً :
    { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) }(الأنعام) .

    إنها براءة من المشركين ، ومفاصلة تامة لمعتقداتهم ، وتمايزٌ عنهم ، فهم في وادِ الكفر السحيق ، ونحن ـ معشر المسلمين ـ في ذرا النور والضياء .

    وكما أننا نمايزهم في الدنيا فالله سبحانه يأمرهم بالابتعاد عنا يوم القيامة، قال سبحانه:
    { وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) }(يس) .

    والأنبياء الكرام كلهم أعلنوا براءتهم من المشركين ، فالدين واحد .

    هذا هود عليه السلام يعلن براءته من المشركين (( . . . قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)}(هود).

    وهؤلاء أصحاب الكهف يعلنون توحيدهم لله سبحانه ، ويستنكرون شرك قومهم ، قال تعالى:
    { وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)}(الكهف) .

    والله سبحانه وتعالى يأمرنا أن لا نعاشر من يتخذ ديننا لهواً ولعباً ، ويستهزىء بآيات الله خشية أن نأنس إليهم فنكون ـ والعياذ بالله ـ مثلهم منافقين ، أو كفاراً وأن لا نتخذهم أولياء ، فأولياؤنا يجب أن يكونوا منا ـ معشر المسلمين ـ قال تعالى:
    { بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ
    إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا
    (140)}(النساء) .

    ومن سمات المسلمين أنهم ينأون بأنفسهم عن اللغو واللهو { وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55)}(القصص) فليسوا منا ، ولسنا منهم .

    وعلينا معشر الدعاة أن نتمايز عنهم ، فلا يكون الودُّ إلا للمؤمنين ، والحبُّ ، والأمان إلا لهم قال تعالى:
    { لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)}(المجادلة) .

    ويحذرنا الله سبحانه وتعالى من موالاة اليهود والنصارى :
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
    لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ
    بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ
    وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
    إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
    (51) }(المائدة).

    ويحذرنا مرة أخرى من الأهل إن كانوا كفاراً ، فلا نواليهم :
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ
    وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
    (23)
    قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
    وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)}(التوبة) .

    لكنَّ الله سبحانه لا يمنعنا أن نحسن إلى الكفار الذين لم يقاتلونا ، ولم يؤذونا ، فالبر من سمات المسلمين ، والعدل من صفاتهم ، أما الذين قاتلونا وآذونا فهؤلاء لا ينبغي الإحسان إليهم ولا موالاتهم وإلا كنا ظالمين لأنفسنا ـ والعياذ بالله ـ قال تعالى:
    { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (Cool
    إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) }(الممتحنة) .
    ويؤكد ذلك في السورة نفسها " الممتحنة " ناهياً عن موالاة الكافرين:
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13) }(الممتحنة) .

    فلا تلاقيَ مع الكفار أبداً فطريقنا غير طريقهم ، ومآلنا غير مآلهم ، ولا يجوز الركون إليهم ، واتخاذهم أولياء ، فليعِ المسلمون حقيقة أمرهم ، وليحذروا منهم . .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /الاعتراف بالخطأ/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 15th 2015, 12:56 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    الاعتراف بالخطأ

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    هو فضيلة يفتقر إليها الكثير من الناس ، بل إنه شجاعة يقدم عليها المنصف الجدير بالاحترام . فمن اعترف بخطئه أقرَّ بإنسانيته . فالإنسان خلق من عَجَل ، وفيه عنصر الخطأ ، ومن أقرَّ بخطئه قمين أن يصلح ما أفسده . أما الذي يخطىء ، ويدعي العصمة ، ولا يقرُّ بما اقترفَ ففيه لؤم ولا أمان له .

    ـ فهذا أبونا آدم وأمنا حواء ، حين انجرّا وراء إبليس بعد أن أقسم لهما أنه صادق ، فأكلا من الشجرة ، وبدت لهما سوءاتهما اعترفا بالخطأ ، فأقرّا بذنبهما ،قال تعالى:
    { قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)} (الأعراف) ،
    وقد عفا الله تعالى عنه وزوجته حين أقرا بالخطأ ،قال سبحانه:
    { فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)}(طه) .

    ـ وهذه امرأة العزيز حين أبى يوسف عليه السلام أن يخرج من السجن إلا إذا بُرِّئَت ساحتُه ، يستدعيها ، وصاحباتها الملكُ ويسألهن ،قال تعالى :
    { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ
    قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ
    قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَـصَ الْحَـقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَـنْ نَفْـسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
    (51)
    ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) }(يوسف) .

    ـ هذا سيدنا موسى عليه السلام يستنجده اليهودي في خصامه مع القبطي ،قال سبحانه :
    { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا
    فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ

    فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)
    قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)
    قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) }(القصص) .
    1ـ علم موسى أنه أخطأ ، ولم يكن يقصد قتل القبطي .
    2ـ نسب هذا الفعل إلى الشيطان ، ووسوسته .
    3ـ استغفر ربه وأناب إليه ، فتاب الله عليه .
    4ـ عاهد ربّه أن لا يعود إلى مثل هذه الأمور .
    وعلى هذا فإن موسى عليه السلام حين أتى فرعون يدعوه إلى عبادة الله وحده استنكر فرعون أن يكون القاتل نبياً ، وذكَّره بقتله القبطي ، قال تعالى :{ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) }(الشعراء)، فما كان من موسى عليه السلام أن اعترف بذلك ، قال سبحانه :
    { قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21)}(الشعراء) .
    ونسي فرعون ، أو تناسى أن موسى عليه السلام قتل المصري خطأ أمّا هو فطاغية مجرم قتل عشرات الآلاف من المصريين ، واستعبد بني إسرائيل ، وكان يقتل المواليد من الذكور لِحُلُم رآه ـ قتلهم عن قصد ـ لكنّ الإنسان لا يرى ذنبه مهما كبر ، ويرى ذنب غيره مهما صغر .

    ـ وذهب موسى مع الرجل الصالح ليتعلم منه ( في قصة موسى مع الخضر في سورة الكهف ) فلما استعجل العلم مرتين ، مرّة في خرق السفينة ، ومرّة في قتل الغلام رأى في المرة الثالثة أنّه أخطأ ، قال تعالى : { قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) }(الكهف) .

    ـ والله سبحانه وتعالى وعد المخطئين الذين فعلوا ما فعلوه عن جهل ، وسوء تقدير ، ثم استدركوا ، فتابوا ، بالمغفرة والرحمة ، { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) }(النحل) .

    ـ وهؤلاء أصحاب الجنة لم يكونوا كأبيهم كرماً ، وفضلاً ، وإحساناً فبخلوا على الفقراء أن يعطوهم نصيبهم ، فاتفقوا على قطف ثمارها وبيعها قبل مجيئهم ، فأحرق الله زرعها نكاية بهم ، وجزاء لهم على شحهم ، وبخلهم ، قال تعالى:
    { قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) }(القلم).
    فاعترفوا بخطئهم ، وأنابوا إلى ربهم واستغفروه ، وأقروا بظلمهم المساكين ، وظلمهم أنفسَهم .

    ـ هؤلاء أقروا بما فعلوا في الدنيا ، وما زال في الوقت متسع وإن أنابوا واستغفروا رضي الله عنهم ، ولكنْ في الآخرة لا ينفع الندم ، ولا يفيد الاستغفار ، ففي الدنيا عمل ، وفي الآخرة حساب ، قال تعالى : { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12)}(السجدة) .
    فبماذا يجيبهم الله سبحانه وتعالى ؟ إنه سبحانه يعاقبهم ويوبخهم : { فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)}(السجدة) .
    وهؤلاء المجرمون ، وهم في العذاب الشديد يدعون على أنفسهم ، فهم الذين أوقعوها في جهنّم ، فيخبرهم الله تعالى أنه يكرههم ، ويمقتهم أكثر مما يكرهون أنفسهم ويمقتونها :
    { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)(غافر) .

    ـ وتعالَ معي من قريب نلحظ هذه الصورة ، وهذا النقاش بين ملائكة العذاب ، والكفار الذين اعترفوا بما اقترفوا ، قال سبحانه :
    { وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6)
    إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ
    (7)
    تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ
    كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ
    (Cool
    قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9)
    وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)
    فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)}(الملك) .

    فالاعتراف إذاً بالخطأ وفي الوقت المناسب ينجي من اقترفه في الدنيا حين يسامحه من أساء إليهم أما الاعتراف في الآخرة ، فهو على نوعين :
    الأول : الخطأ في العقيدة كالكفر بالله والشرك به ، فهذا لا غفران له .

    الثاني : الخطأ في التصرف ، فالله غفور رحيم نسأله أن يغفر لنا خطايانا أَنْ كنا من المؤمنين .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /التعريض والتلميح/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 15th 2015, 1:18 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    التعريض والتلميح

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    عرّضَ في حديثه : لم يبيّنْه ولم يصرّح به .
    وعرّضَ له وبه : قال قولاً وهو يعنيه ، ويريده ، ولم يصرّح به .
    ولمَّحَ إلى الشيء تلميحاً : أشار إليه ، وقديماً قالوا : ( ربّ تلميح أوقع من تصريح ) ، وقالوا كذلك : ( إياكِ أعني واسمعي يا جارة ) .

    وللتعريض فوائد عديدة ، منها :

    1ـ التنبيهُ دون الاتهام والتجريح .
    2ـ التراجع عن الشيء دون حرج " حفظ خط الرجعة " .
    3ـ تقبّل النصيحة دون فضيحة .
    4ـ إيصال الأمر مغلفاً باللطف والأدب .
    5ـ التعميم في الحديث دون لفت النظر إلى المعنيّ به .
    6ـ المديح والتعظيم للعمل الطيب وأصحابه .
    7ـ الجهل بالفاعلين ، أو القائلين ، وإظهار الرضا ، أو الامتعاض .
    8ـ الذمّ والتحقير . .

    وقد حرص القرآن الكريم ـ وهو يعلمنا ـ على هذا الأسلوب ، لما فيه من تلك الفوائد وغيرها .

    ـ فهو على سبيل الجهل بالقائلين وذمّ مقالهم يحدثنا عن الكثير من الناس الذين لا يصل تفكيرهم أبعدَ من أرنبة أنوفهم ، فيطلبون الخير الزائل ، والمكسب القليل النافد فقط ، وهم بذاك يقطعون على أنفسهم الفضل العميم الزائد المستمر ، وعلى نفسها جنت براقش ، قال تعالى: { .....فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200)}(البقرة) .

    ويمدح مباشرةً أصحاب العقول الراجحة ، والنظرة الثاقبة الذين تتحرك قلوبهم ، وأفئدتهم نحو النعيم المقيم ، والخير الأبدي ، إلى رضى الله وجنته : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) {(البقرة).
    لم يحدد الطرفين ، ولكنهم كثير { الناس } كمٌّ هائل ، ولفظ عام ينضوي فيه ابناء آدم إلى يوم القيامة .

    ـ ومن الأمثلة على التعريض والتلميح في التوبيخ والذم قوله سبحانه : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)}(آل عمران) .
    فقد أصاب المسلمين يوم أحد جراحات . . فما إن عادوا إلى المدينة حتى أرجف المنافقون فيها ـ وهم لفظ { الناس } الأول ،أما المشركون فلمّح إليهم لفظ { الناس } الثاتي ، وقد فكر المشركون أن يعودوا إلى المدينة ليستأصلوا المسلمين . . فماذا فعل المسلمون وماذا قالوا ؟ :

    1ـ ازداد إيمانهم بالله لأنهم واثقون بنصره إياهم .
    2ـ لجأوا إليه ، واعتمدوا عليه ، وتوكلوا عليه ، وهو سبحانه لا يخيِّبُهم .
    3ـ ألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين ، فانكفأوا عن المدينة إلى مكة ، وعاد المسلمون
    راضين مطمئنين . فالشيطان يخوّف أولياءه ، وليس له سلطان على أولياء الله تعالى .
    لكنَّ المسلمين جميعاً عرفوا المقصود من كلمة { الناس } الأولى ، وكلمة { الناس } الثانية ، وكذلك عرف المنافقون أنهم قد عُرِّضَ بهم ، فخنسوا وذلّوا . . .

    ـ ومن الأمثلة على التعريض دون التصريح في التحقير والذم قوله سبحانه :
    { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)
    وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205)
    وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) {(البقرة).
    فبعض المنافقين يروق للناس كلامهم ، ويثير إعجابهم بخلابة ألسنتهم وبلاغة بيانهم ، لكنَّ الله تعالى لا تجوز عليه سبحانه مثل هذه الأمور لأنه علام الغيوب ، المطلع على السرائر ، هؤلاء المنافقون يُشهِدون الله ـ زوراً ـ على صلاحهم المزعوم وكلامهم المعسول ، فإذا انصرفوا عن المسلمين عاثوا في الأرض فساداً ، فأحرقوا الزرع ، وأهلكوا النسل .
    وإذا وُعظ هؤلاء الفجرة الأفّاكون ، وقيل لهم : اتقوا الله ، وانزعوا عن أقوالكم وأفعالكم القبيحة حَمَلَتْهم الأنَفَةُ ، وحميّة الجاهلية على الإغراق في الفساد ، والإمعان في العناد ، فعقوبتهم النار ، أعاذنا الله من عذابها .

    ـ أما المؤمنون الأتقياء ، فهم بريئون ممّا يفعل أولئك ، بل إنهم يبيعون نفوسهم لله سبحانه ، يرجون ثوابه ، ويبتغون مرضاته ، وهؤلاء هم الذين سيرحمهم الله ، ويغفر لهم ، فهو الرؤوف الرحيم بحالهم ، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا منهم ، { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) {(البقرة) .

    ـ ومن الأمثلة على التعريض يالمفسدين علماً بما يفعلون ، وتحذيراً منهم قوله تعالى :
    { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7)}(لقمان) .
    فكل من يشتري ما يلهي عن طاعة الله ، ويصد عن سبيله ، مما لا خير فيه ، ولا فائدة نحو السمر بالأساطير ، والتحدث بما يضحك ، وما لا ينبغي ، ليضل الناس عن طريق الهدى ، ويبعدهم عن دينه القويم بغير حجة ولا برهان ، ويستهزىء بكتاب الله له عذاب شديد مع الذلة والهوان .
    فإذا أفهمته ما يجب أن يفعل ليكون من عباد الله المتقين ، ونهيته عن مباذله ومفاسده صك أذنيه ، وأدبر متكبراً كأنه لم يسمعها ، ويتغافل عنها ، راغباً عنها ، فلهذا ولأمثاله عذاب أليم .
    والآيات التي استشهدنا بها بدأت كلها بقوله : { وَمِنَ النَّاسِ } دون أن يحددهم للأسباب التي ذكرناها . وأصحابها يعرفون أنفسهم ، فيغتاظون ، والمسلمون يعرفونهم ، فيحذرونهم ، ويتجنبون الوقوع فيما وقع فيه هؤلاء .

    ـ ومن الأمثلة على التعريض توبيخاً ، وذمّاً ، وتقريعاً قوله تعالى في المنافقين :
    { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)
    وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ
    وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ
    (30)}(محمد) .
    فهؤلاء المنافقون يعتقدون أن الله تعالى لن يكشف للمؤمنين شكهم ونفاقهم ، وأنّه لن يظهر بغضهم وحقدهم على المسلمين . . بل إنه ـ سبحانه ـ فاضحهم ، وكاشفُ أمرهم ، ولو أراد الله سبحانه لعرَّف لرسوله عليهم بأشخاصهم ، وعلاماتهم . . كما أنهم يكشفون أنفسهم في طريقة كلامهم وأسلوب عرضه وتعريضهم بما يسيء للإسلام والمسلمين .
    والله سبحانه وتعالى يعلم ما في قلوب عباده كلهم ، شاكرهم ، وعاصيهم ، مؤمنهم وفاجرهم ، وقوله : { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } هو التعريض والتلميح نفسه ، فلحن القول عدم التصريح به .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /القصد والإعتدال/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 15th 2015, 1:30 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    القصد والاعتدال

    الدكتور عثمان قدري مكانسي




       قالوا قديماً : ( خير الأمور أوسطها ) والوسطُ : الاعتدالُ ، فهو يأخذ من الطرفين المختلفين أحسن ما فيهما ، ويترك سيئهما ، فيجمع الخير منهما ، ويُسقط ما عدا ذلك .
        وقال رسول الله حاثّاً على التأنّي : ( ...فإن المنبَتّ لا أرضاً قطع ، ولا ظهراً أبقى ) (رواه جابر/الدرر السنية).
        وحين كلفنا الله سبحانه وتعالى لم يطلب منا سوى ما نستطيعه ، فقال سبحانه : { َاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ...(16)}(التغابن) ، فلم يرهقنا ، ولم يأمرنا بما يقصم الظهر ، ويهدُّ الكاهل ، بل ما نقدر عليه لنقوم بفروض الطاعة وقد قيل : ( إذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع ) .
        وحين نزلت الآية :
    { لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ  
       وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ
       فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
    (284) }(البقرة)
    جثا المسلمون على ركبهم ، وأكل الخوف قلوبهم ، فما من أحد إلا والأفكار تساوره من كل مكان ، ويخطر على بال أحدهم ما يُسْلِمُ عنقه للقطع ، ولا يبوح بما خطر على باله ، فقال لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :  ( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ ، بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) (أبو هريرة /صحيح مسلم)، فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى قوله :
                  { آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ
                     وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ  
                     وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
    (285)}(البقرة) .
        فارتاحت قلوب المسلمين ، وهدأت نفوسهم ، ورجوا من ربهم التيسير ، فنزلت الآية الأخيرة من سورة البقرة :
        { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا
        لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ
        رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا
        رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا
        رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ
        وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا
        أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
    (286)}(البقرة).
     
     ـ والقصد في كلِّ شيء عنوان المسلم ، فلا يذهب يميناً ، ولا يذهب شمالاً  ، بل يكون معتدلاً في كل تصرف من تصرّفاته . . قال تعالى على لسان لقمان يعظ ابنه :
        { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
        وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
    (18)
        وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)}(لقمان) .
       
    ـ وقال الله سبحانه في سورة الإسراء :
                    { وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30)}(الإسراء ) .
                    { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)
                        وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)}(الإسراء) .
                     { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37)  
                         كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) }(الإسراء).

    1ـ  لا ينبغي للمسلم أن يكون بخيلاً شحيحاً ، ولا مبذراً مسرفاً :
                      { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) }(الإسراء) ، والتبذير في معصية الله والباطل يجعل صاحبه مثل الشيطان .
    2ـ  فمن بخل ، أو أسرف صار مذموماً من الخالق والخلق ، منقطعاً من المال .
    3ـ  وأنّ القتل إجرامٌ حرّمه الله ، وعاقب عليه أشدَّ العقاب ، ولا يكون القتل إلا في ثلاثة مواضع معروفة ، أوجبها الله .
    4ـ  وأنّ من قُتل ظلماً بغير حق يوجب قتله ، فقد جعل الله لوارثه سلطة على القاتل بالقصاص منه ، أو أخذ الدية ، أو العفو ، فلا يتجاوز الحد المشروع بأن يقتل غير القاتل ، أو يمثل به ، أو يقتل اثنين بواحد فِعْلَ أهل الجاهليّة ، وحسبه أن الله نصره على خصمه ، فلا يتجاوز حدّ القصد ، والاعتدال .
    5ـ  وأن التصرف الحسن بمال اليتيم تثميره وحفظه ، أما أكله  فهو ظلم كبير:
                 {... وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2)}(النساء) .
                 { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ
        وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا
                  وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
    . . .(6)}(النساء)،
    فجاز الأكل من مال اليتيم بالقدر القليل ، فلا يفنيه أو يأكل منه كثيراً .
    6ـ  وأن السير الذي يرتضيه الله تعالى ما ليس فيه فخر ، ولا كبرياء ، ولا تعاظم ، ولا مباهاة .
        ـ كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام رسول يبلغ رسالة ربّه ، ويدعو إلى الإيمان به والعمل بما يرضيه ، وهناك من يؤمن به ، فيفرح وترتاح نفسه ، وهناك مَنْ يكفر به ، ويأبى الإيمان ، فيحزن الرسول الكريم ، ويتألم لإعراضهم ، ويشتد حزنه ، فينبهه الله تعالى أن لا يشغل باله فيهم كثيراً ، ويهلك نفسه لإعراضهم :  
        { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)}(الكهف) .
        { لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)}(الشعراء) .
        {... فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ....( 8 )}(فاطر) .
        فالحزن إذاً من شيمة المسلم الحساس ، وهذا أمر إيجابي ولكنْ حين يزيد عن حده يصبح سلباً . . فالاعتدال مطلوب .

        ـ وكل أمر يفعله الله تعالى حكمة واعتدال { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)}(القمر)،
    حتى الرزق ينزله بقدر كي لا يطغى الناس ويفسدوا ، وهو – سبحانه - الذي يعرفهم لأنّه الذي خلقهم ، فلا يفتح عليهم ما يزيدهم طغياناً ،
    { وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)}(الشورى) .

        ـ وهذا قارون ازداد ماله فبغى  وطغى ، وهو مثال للإنسان الذي يكثر ماله ، فيرى نفسه فوق الجميع :
      { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)
        وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ
        وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا
        وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
        وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
    (77)
        قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي…(78 )}(القصص) .
        فقارون :
    1ـ  بغى على قومه ، وكان حريّاً به أن يكون عوناً لهم .
    2ـ  ونصحه قومه خمس نصائح :
     أ   ـ أن يتخلى عن الكبر والبطر ، وينقلب إلى شكر النعمة ، والاعتراف بفضل الله عز وجل .
     ب ـ أن يوظف أمواله في خدمة دين الله  وابتغاء الآخرة  .
     جـ ـ والإسلام - كما علِمْنا - دينُ الاعتدال ، فلا ينسَ نصيبه من الدنيا .
     د  ـ أن يحسن إلى عباد الله كما أحسن الله إليه { ... لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ . . . (7)}(إبراهيم) .
     هـ ـ أن لا يتطاول على الناس بهذا المال ، ويفسد ضعفاءهم ، فيشتري ذممهم بالمال .
    3ـ  ادّعى قارون ـ وهو كاذب مدّع ـ أنّه كسب المال بذكائه ، ونبوغه ، وعبقريته .
        ويرى مَن تدبّر هذه الآية أنَّ فيها دعوة إلى الحق ، والقصدَ في التصرف .
        ـ وقد تكون النعمة نقمة حين يفرح الإنسان بها ، والفرح كما مرَّ معنا في الآية السابقة ، البطر والأشر  والتعالي على الناس والتطاول ، والنعمُ قد تكون صحة  وغنى  وأمناً .

        ـ وحين يقترف الناس الآثام يصيبهم جزاءَ ما اقترفوه جدبٌ ونقمةٌ وبلاء وشدة ، فيبالغون في الجحود والنكران والكفران . أما المؤمن فإنه إن أعطيَ شكر ، وإن مُنع صبر ، فكان له الخير في الأمرين {. . . وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (48)}(الشورى)} .

        ـ ولماذا يقول الله سبحانه وتعالى مهدداً المطففين { وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)}(المطففين).
    التهديد سببه أنهم لا وسطيّة عندهم ، والوسطيّة إعطاء كل ذي حق حقّه ، والتصرف مع الناس بما يرتضونه لأنفسهم ، ولا يلتزمون الحد الشرعي  ولا الحدَّ المنطقي ، فقدوا العدل والاعتدال  والقصد وتاهوا في الضلال .
     
      ـ وعاتب الله سبحانه وتعالى نبيّه الكريم في منع نفسه ما أحلَّ الله له من النساء لأن زوجتيه غاضبتاه :
    { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1)}(التحريم) .
        ولاحِظِ الخطاب المشعرَ بالتوقير والتعظيم ، والتنويه بمقامه الشريف حين خاطبه بلفظ النبوَّة لا باسمه كما خاطب بقيّة الأنبياء بأسمائهم . . . فقال له متلطفاً لماذا تمنع نفسك ما أحلَّ الله لك ، وتضيّق على نفسك في مرضاة أزواجك ، وهنّ أَحْرى أن يُتبعن أنفسهن في مرضاتك ، فأرحْ نفسك من هذا العناء .
        وكان قد امتنع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ماريّة ـ ولقاء المرأة أنس ومتعة ـ ليرضي خاطر بعض أزواجه ، وكان له أن لا يمتنع عنها . . .
        وهذه اللفتة الإلهية الكريمة تدعو إلى الوسطيّة في التصرف ، والابتعاد عن الإعنات .

        ـ وأخيراً ، يقول الله تعالى : { أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ . . . .(6) }(الطلاق) ، فالله تعالى يأمر المسلمين الذين يطلقون زوجاتهم أن يسكنوهن في بعض مساكنهم التي يسكنونها ، وإن كان فقيراً فعلى قدر الطاقة . . فلا يكلفهم الله سبحانه وتعالى إلا ما يستطيعون . . .
       
    فالقصدَ القصدَ في المعاملة ، والاعتدالَ الاعتدالَ .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /أسلوب الحكيم/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 15th 2015, 3:22 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    أسلوب الحكيم

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    قد يسأل أحدهم سؤالاً ، فتجيبه بغير ما يترقبه إما بترك سؤاله ، والإجابة عن سؤال لم يسأله ، وإما بحمل كلامه على غير ما كان يقصِده إشارةً إلى أنه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال ، أو يقصد هذا المعنى .

    ـ من ذلك قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ }(من الآية 189 البقرة) .
    هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم يسألون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الأهلّة ، لِمَ تبدو صغيرةً ثم تزداد حتى يتكامل نورها ، ثم تتضاءل حتى لا ترى ، وهذه مسألة من مسائل علم الفلك ، يُحتاج في فهمها إلى دراسة دقيقة طويلة ، فصرفـَهم إلى بيان الحكمة من الأهلّة ، وكأنّه يقول : كان الأولى بكم أن تسألوا عن حكمة خلق الأهلّة ، لا عن سبب تزايدها في أول الشهر وتناقصها في آخره ، فهي وسائل للتوقيت في المعاملات ، والعبادات .

    ـ ومن ذلك قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ }(من الآية 215 البقرة) .
    سأل الصحابةُ عن بيان ما ينفقوه ـ ما الذي ينفقونه ـ فأجابهم ببيان المصارف ، تنبيهاً على أن المهم هو السؤال عنها ، لأن النفقة لا يُعتدُّ بها إلا أن تقع موقعها . وكل ما فيه خيرٌ فهو صالح للنفقة . . فالمال ينفق منه ، والطعام كذلك ينفق منه ، ومساعدتك الآخرين في أمورهم وتفريج كروبهم نفقة ، وتبسمك في وجه أخيك صدقة . . إذاً ليس المهم ماذا تنفق فهو كثير ، ومتنوّع ، وشامل إنما الأهم معرفة المواطن التي يجب أن يكون الإنفاق فيها .
    ـ ومن ذلك قوله تعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ }(من الآية 217 البقرة)
    فقد سأل الصحابة رضوان الله عليهم رسولهم الكريم : أيجوز القتال في الشهر الحرام ؟ وهل يحلُّ ذلك ؟ إننا نحسب ذلك حراماً ، ومَنْ فعله أخطأ خطأً ذريعاً . فنبّه القرآن إلى أن القتال فيه ، وإن كان خطأً جسيماً ووزراً عظيماً ، إلا أن هناك ما هو أعظم وأخطر ، إنه الصدُّ عن سبيل الله ، وكفرٌ بالله ، ومنع المؤمنين عن دين الله ، وإخراجهم من مكة . . كلُّ هذا أعظم وزراً ، وذنباً عند الله من قتل من قتلتُم من المشركين في هذا الشهر الحرام ، فإن استعظم المشركون قتالكم لهم في الشهر الحرام ، فليعلموا أن ما ارتكبوه في حق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين أعظم وأشنع .

    ـ ومن أسلوب الحكيم كذلك قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)}(البقرة) .
    فالصحابة يسألونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن سبب حيضة المرأة، فينبههم الله تعالى إلى أمور عدةٍ غير ما سألوه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنه فأخبرهم أن الحيض :
    أولاً : أذىً يصيب الزوجين لأنّه شيء مستقذر ، فاجتنبوا النساء فيه مدَّة حيضهِنَّ .
    ثانياً : فإن طَهُر المكان ، وصار نظيفاً حقَّ للرجال معاشرة أزواجهنّ ، والتمتع بهنّ ، وقد كانت العادة عند اليهود أن المرأة إذا حاضت عندهم نبذوها ، فلم يجالسوها ولم يؤاكلوها فنبّههم القرآن أن الغرض عدم المعاشرة الزوجية فقط ، فالنساء شقائق الرجال .
    ثالثاً : فإذا طهُرَتِ المرأة ، فأتوهنَّ في المكان الذي أحله الله لكم ، وهو مكان النسل والولدِ ، القُبُلُ لا الدُّبُرُ ، فالله يحب التوابين من الذنوب المنزهين عن الفواحش والأقذار .

    ـ ومن ذلك قوله تعالى :
    { وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ
    قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ
    وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
    (61)}(التوبة) .

    فالمنافقون يبسطون ألسنتهم في أذيّة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ويقولون : إن عاتَبَنا حلفنا له أننا ما قلنا في حقّه ما يسيء ، فيقبله منا ، فإنّه أذنٌ سامعةٌ يصدق كلَّ ما يقال له !! وهذا سوء أدب منهم في حقّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ! ولكنَّ الرسول الذكي الأديب الأريب الذي رباه ربه ، فأحسن تربيته ، ووصفه بالخلق العظيم يستمع للصادق في صدقه ، حتى إذا فرغ شيّعه بالدعاء ، وبشَّ في وجهه ، ويستمع للكاذب في كذبه حتى إذا فرغ لم يجبه ، بل شيّعه بكلمات تعلمه الأدب دون أن يجرح نفسه لأنه المربي . . القدوة . . وأصحاب الأدب يحمدون له هذه الصفة ، فلا يُجلّ الكريم إلا الكريم . . أما اللئام فيحسبون ـ لخساسة نفوسهم وسوء طبعهم ـ أن الرسول الكريم سمّاع لكل قول . . يصدق كلَّ إنسان ، يجوز عليه الكذب والخداع ، لا يفطن إلى زور القول وغشّه ، من حلف له صدّقه ، ومن دسَّ عليه قولاً قبله .
    فيردُّ القرآن معلماً ، ومنبهاً ، فيقول : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أذنٌ . . نعم . . ولكنّه أذن خير للمسلمين يبلغهم رسالة ربهم التي فيها الخير والفلاح ، وأذن خير للمنافقين ، يستمع إليهم ، ويعلم أنهم كاذبون ، فلا يجْبَهُهم بخداعهم ونفاقهم ، ولا يصدقهم فيما يقولون فالله أرسله رحمةً للعالمين ، أما الذين يؤذون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فحسبهم الذلة في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة .

    ـ ومن أسلوب الحكيم كذلك قوله تعالى : { وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)}(يونس) .
    فهؤلاء الكفرة المعاندون يقولون معاجزين ـ وكأن الأمر بيد رسول الله ـ صلى الله عليه
    وسلم ـ يفعل ما يشاء ـ هلّا أنزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ معجزة من ربّه كما كان للأنبياء من قبلُ من الناقة ، والعصا ، واليد ، وما إلى ذلك من المعجزات . . . فينبّه القرآن هؤلاء المجرمين إلى أن أمر الغيب لله وحده ، ولا يأتي بالآيات إلا الله سبحانه . أما الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيبلّغ ما أمره الله تعالى به ، وينتظر قضاء الله ُ فيما يريد ، وما على الرسول إلى البلاغ المبين أفلا ترونه بشراً مثلكم يأكل مما تأكلون ويشرب مما تشربون ؟!! .

    ـ ومن أسلوب الحكيم كذك قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)}(الإسراء) .
    جاء الكفار يسألون رسول الله ـ صلى الله عيه وسلم ـ عن ماهية الروح ، وكيف تدخل الأجسام ، ولماذا تخرج منها . . . فنّبههم القرآن الكريم ، أنّه كان عليهم أن يعرفوا حدود علمهم ، وأن يسألوا عما يهمهم ويفيدهم في أمر أُخراهم ، لا أن يسألوا عن أمور لن يصلوا إلى فهمها بعلمهم القليل الضحل ، فالروح من أمر الله تعالى ، وأسراره ، وما أُوتي الإنسان من العلم إلا القليل . .

    ـ ومن أسلوب الحكيم في القرآن الحكيم قول الله تبارك وتعالى :
    { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ
    فقل يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا
    (105)
    فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106)
    لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)}(طه) .
    هؤلاء الكفار يميّعون القضيّة ، فيسألون عن خلق الجبال ، وارتفاعها ، وعظمتها ، فينبّه القرآن في جوابه إلى أنّ عليهم أن يعلموا أمرين ، حدوثُهما خطير :
    الأول : أن هذه الجبال الشاهقة المتسامقة علوّاً ، التي تناطح السحاب بكلكلها ، الضاربةِ في أعماق الأرض أوتادها . . إذا جاء يوم القيامة ينسفها الله تعالى نسفاً ، فيفتتها كالرمل ، فيتركها ملساء مستوية لا نبات فيها ، ولا بناء ، ولا انخفاض ، ولا ارتفاع . . إنه ليوم عظيم هائل لا بدَّ قادم .
    الثاني : أن الناس في هذا اليوم ينطلقون سراعاً إلى أرض المحشر لا يزيغون ، ولا ينحرفون ، ذليلةً لِهيبة الله تعالى ساكنة أصواتُهم ، لا يتكلمون إلا من أذن له الله تعالى في القول . إنه لـَيوم رهيب . على العاقل أن يسأل عنه ويؤمن به ويعمل له ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، ونيّة خالصة . . .

    إن أسلوب الحكيم أَخْذٌ بيد السائل إلى الاهتمام بما ينفع ليصل به إلى بر الأمان وشاطىء السلامة . . وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المعلم الرائع في أحاديثه الشريفة ، يسير على هدي القرآن وينير بهذا الأسلوب العظيم درب الإنسان . . . . فهلّا كنا تلاميذ له نُجباء ..؟!!.

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /الحكمة/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 15th 2015, 3:34 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    الحكمة

    الدكتور عثمان قدري مكانسي




    تعريفها :
    1ـ الوصول إلى أفضل الأهداف ، بأفضل الطرق ، وأنسبها .
    2ـ وهي ـ أيضاً ـ العلم والحِلْم ، وصواب الأمر وسدادُه ، والكلامُ الموافق للحق .
    وبما أن السنّة النبوية المطهرة توافق التعريف الثاني ، فقد وردت الحكمة بهذا المعنى في قوله تعالى :
    { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)}(البقرة) .
    ووردت كذلك في قوله تعالى :
    { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
    يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
    وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
    (164)}(آل عمران) .

    وتأتي الحكمة في القرآن الكريم في معاني كثيرة منها :

    1ـ العلم النافع المؤدي إلى العمل الصالح كقوله تعالى :
    { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) }(البقرة) .

    2ـ السداد في القول ، والعمل كما في قوله تعالى يمدح عيسى عليه السلام :
    { وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48)}(آل عمران) .

    3ـ اللين والرفق ، والأسلوب الحكيم المؤثر كما في قوله تعالى :
    { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }(من الآية 125 النحل).
    وليس هناك أحسن من التلطف والهدوء ، والحجة ، والبرهان الواضح المقنع دون تشنّج ، وعصبيّة .

    ـ ومن الأمثلة الموافقة للتعريف الأوّل في الدعوة إلى الله تعالى قوله سبحانه :
    1ـ { لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)}(آل عمران) .
    أ ـ فالقاعدة أنه لا ينبغي موالاة الكافرين .
    ب ـ ومن والاهم تعرّض للطرد من جماعة المسلمين ، فلا يلتقي كفر وإيمان .
    جـ ـ وقد يكون هناك حكمة من ملاينة الكافرين ، ومتابعتهم أحياناً لسبب ما : تقاةً منهم ودرءاً للمخاطر ، وجلباً للمنافع ، فلا بأس إذ ذاك من إظهار غير ما نبطن ، والحذر مطلوب ، لكن دون المساس بالقواعد الإيمانية والأصول الإسلامية .
    2ـ وقوله سبحانه على لسان أهل الكهف : { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)}(الكهف) .
    أـ فقد شعروا بالجوع بعد أن استيقظوا من سباتهم الطويل ، وهم يحسبون أنهم ناموا يوماً ، أو بعض يوم .
    ب ـ أرسلوا أحدهم ليأتيهم بطعام طيب ، وأمروه بالتستر والملاطفة كي لا يظنوا به الظنون ، فينكشف أمره ، ويدل على أصحابه ، فتكون العاقبة أليمة .
    3ـ وقوله سبحانه في التزام مَنْ كان سباقاً إلى الإسلام :
    { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
    وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
    وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا
    (28)}(الكهف) .
    فالكفار حين دعاهم الرسل صلوات الله عليهم إلى الإيمان تذرّعوا بأعذار كثيرة واهية ، منها : أنهم لن يؤمنوا بهم ، فلا يكونون وضعفاء المسلمين سواء بسواء فقالوا : { قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111)}(الشعراء) .
    فكان جواب القرآن الكريم : { إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114)}(الشعراء) .
    وهؤلاء الكفار غير صادقين ، والمؤمنون الضعفاء سبّاقون إلى الإسلام ، باعوا أنفسهم لله ، واستبعادهم ولو قليلاً يؤدي إلى :
    أ ـ إيذاء مشاعرهم ، وصدمهم صدمة عنيفة تفسد عليهم دينهم .
    ب ـ طمس فضلهم في خدمة الإسلام ، وسبقِهم إلى الإيمان ، وهذا إجحاف بهم ، وظلمٌ نفَّرَ الإسلامُ منهم فكيف يؤصلّه ؟!! .
    جـ ـ خسارة مزدوجة ـ لا سمح الله ـ فهؤلاء لن يؤمنوا ، أما الذي آمن ورأى الظلم ما زال واقعاً عليه ، فسيرتد ، أو يضعف إيمانه .
    ولذلك أردف الله سبحانه تلك الآية بقوله مهدداً الكفار واعداً إياهم بالعذاب الشديد : { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ
    بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ
    مُرْتَفَقًا
    (29)}(الكهف) .
    وأتبعها بما يثلج صدور المؤمنين السابقين إلى الإيمان فقال :
    { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)
    أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ
    يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ
    مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا
    (31)}(الكهف) .
    وأكد هذا بقوله سبحانه :
    { وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ . . (54 )}(الأنعام) .
    فالحكمة من هذا التلطف الاعتراف إلى الإسلام ، وتثبيت الإيمان في نفوس السابقين إليه ، ورفع درجاتهم .
    4ـ ومن الأمثلة على الوصول إلى أفضل الأهداف بأفضل الوسائل قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام مخاطباً أباه يدعوه إلى الإيمان :
    { يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)
    يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43)
    يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44)
    يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)}(مريم).
    فهو يحب أباه ويريد له الخير . . فكيف خاطبه ؟ :
    أ ـ تلطف إليه بقوله : { يا أبت } ليدخل إلى قلبه المتحجر .
    ب ـ نبهه إلى خطئه في عبادة الأصنام ، وهوّن من شانها .
    جـ ـ أعلمه ان الله وهبه علماً نافعاً ، وهو يريد لوالده الهداية .
    د ـ حذره من اتباع الشيطان المؤدي إلى المهالك .
    هـ ـ خوّفه من عذاب الله .
    و ـ كرّر كلمة { يا أبت } ليخفف عليه وطأة التغيير ، وليمتص غضبه .
    فالحديث مع الأب والأم وذي المكانة في نفس المتكلم يستدعي التلطف ، واللين ، والرفق ، وهذا من الأسلوب الحكيم الذي يدخل فيه الإنسان إلى قلوب الناس ، أو يحيّدهم على الأقل ويستل الضغينة من نفوسهم .
    5ـ ومن الأمثلة أيضاً : التعريض والتلميح في العتاب خاصة لمن تحبُّ ، مع إظهار الحب والودّ.
    وألطف ما رأيت ذلك العتاب الرفيق ، والتحبب الرقيق من سيد الكائنات وخالقها لحبيبه سيد المخلوقات . . سبحان الله . . والصلاة على رسول الله . . .
    وذلك في قوله سبحانه : { طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)}(طه) .
    وذلك حين قام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الليالي مع أصحابه في مكة صلاةً وقراءةً ، وتدبراً ، فقال الكافرون : ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى !!! وكأن لقاء الله ، ومناجاته عذاب وشقاء !! كبرت كلمة تخرج من أفواههم !! .
    وفي قوله : { عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2)}(عبس) ، فلم يقل الله تعالى لنبيه عبستَ ، وتوليتَ أن جاءك الأعمى . . بل جعله في صيغة الغائب ، وهذه حكمة الله في تعليم نبيّه
    ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
    ففي الآيات الأولى من سورة طه كان الحديث مباشرةً لأن فيها دفعاً للأقاويل ، وتشجيعاً على المثابرة في قيام الليل .
    وفي الآيتين الأوليين من سورة عبس عتاب رقيق استجوب التعريض ، والتلميح ، فرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ اجتهد حين جاء ابن ابن أم مكتوم يسأله ، وعنده رجالات من قريش يأمل أن يؤمنوا به وبرسالته ، فاستأخره حتى ينتهي من لقائهم .

    ـ ومن الأمثلة أيضاً في الحكمة المُشاكلة والمُشاكهة :
    فقوم فرعون كانوا ماهرين في أعمال السحر ، فكان من الحكمة ـ والله أعلم ـ أن تكون معجزات سيدنا موسى ، العصا التي صارت حيّة ، وإخراج اليد من الجيب ، فتلمع بيضاء من غير سوء ، وضمها إلى جنبه ، فيذهب عنه الخوف إن شاء الله ، ويثبت جنانه . . قال تعالى :
    { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ
    وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ
    (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ
    إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا
    فَاسِقِينَ
    (32)}(القصص) .
    فكانت معجزات موسى عليه الصلاة والسلام مناسبة لجو السحر الذي كان قومه يحسنونه .
    والأمثلة على التصرف المناسب لكل موقف أياً كان ، والحكمة في معالجة الأمور كثيرة ، تدل على حكمة العليم القدير الذي علَّمنا ما لم نكن نعلم .
    وأخيراً ، يقول الله تعالى : { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
    الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
    (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ
    عَظِيمٍ
    (35)}(فصلت) .
    1ـ فقد يسيء أحدهم ، وينتظر منك أن ترد على إساءته بإساءة مثلها ، أو أشد منها ، فهو متوثب حذر .
    2ـ فإذا بك تتغاضى عن إساءته ، أو تسامحه ، أو تتقدم إليه متحبباً ناصحاً متودداً .
    3ـ يشعر أنّه أخطأ نحوك ، فتنقلب عداوته لك شعوراً بالذنب ، ورغبةً في تصحيح موقفه .
    4ـ يتقرّب إليك ، ويحبّك بإخلاص وودٍّ .
    فهل هناك أعظم انتصاراً مما فعلتَ .
    أ ـ انتصرت على نفسك الأمارة بالسوء .
    ب ـ انتصرت على الخلاف بينكما فمحوته .
    جـ ـ انتصرت على كيد الشيطان .
    د ـ اكتسبت أخاً محباً مخلصاً .
    5ـ وكل ذلك بالصبر والمصابرة ، وما يستطيع كل إنسان ذلك ، إنما يفعل ذلك من كان ذا حظ عظيم ، وأخلاق رائعة .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /التفكير المنطقي/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 18th 2015, 6:50 pm


    [b]
    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    التفكير المنطقي ( المحاكمة العقلية )

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    يدعونا القرآن الكريم دائماً إلى التفكير وإعمال الذهن للوصول إلى الحقيقة ، والآيات في هذا الصدد كثيرة تملأ الصفحات منبهة إلى أن " أولي الألباب " والذين يتفكرون ، والذين يعقلون ، ومن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . . . هم المؤمنون حقاً .
    والإيمان التقليدي لا يجدي فتيلاً . أما ما قام على تفكير صحيح ، ومحاكمة عقلية سليمة فهو الإيمان الذي يرتضيه الله سبحانه وتعالى .
    فهلمَّ نقتطف من رياض القرآن العظيم بعض هذه الأنوار التي تدفع المسلم أن يلاحظ ويفكر ، ليصل إلى القرار الصحيح .

    ـ فاليهود يدّعون أن أخطاءهم قليلة ، يدخلون لأجلها النار أياماً معدودة ، ثم يخرجون منها إلى الجنّة ، ونرى القرآن الكريم يردُّ إفكهم : أهذا ما عاهدكم الله عليه ؟!! ـ والله لا يخلف الميعاد ـ أم إنّكم تفترون على الله ما لا تعلمون ؟ ثم يقرر بعد هذا التوبيخ أن من أصاب سيئة ، وأحدقت به هذه الخطيئة فهو خالد في النار جزاء كفره وعناده قال تعالى :
    { وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81)}(البقرة) .

    ـ أما النصارى فيقولون زاعمين : إن عيسى ابن الله ، وإلا فأين أبوه ؟! ويعجبون أن يولد هذا النبي دون والد ، ونسوا أن أعجب منه آدم عليه السلام إذ خلقه الله تعالى دون أم أو أب ، فهو قادر على كل شيء سبحانه القائل : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)}(آل عمران) .

    ـ واليهود والنصارى كلٌّ يدعي أن إبراهيم منهم ، وهذا زعم عجيب فالمعروف أن التابع يأتي بعد المتبوع ، وإبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء ، من نسله جاء اليهود والنصارى فأحرى أن يتبعوه في توحيد الله . . ويلفت القرآن الانتباه إلى أن رسول الله محمداً صلى الله عليه وسلم ومن آمن به جاءوا على دين التوحيد ، فهم أولى بإبراهيم عليه السلام ، قال تعالى:
    { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65)}(آل عمران) .
    وفي قوله تعالى : { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)}(آل عمران).

    ـ ولمن تكون التوبة ؟ ومتى يقبلها الله تعالى ؟ . . تكون لمن أخطأ عن جهالة ثم استغفر الله ، واستقام على الحقِّ سريعاً ، أمّا من سدر في غيّه ، وأصرَّ عليه إلى الغرغرة فهذا لا توبة له ، وكذلك لا يقبل الله التوبة من الكافر .
    { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)}(النساء) .

    ـ والله سبحانه وتعالى لا يظلم أحداً ، فهو يرسل رسله إلى الناس يبشرون بالجنة من أطاعه ، وينذرون بالنار من عصاه ، فالمؤمن المصلح لا يخاف ولا يحزن ، والكافر المكذّب يعاقب جزاء وفاقاً .
    قال تعالى : { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آَمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)}(الأنعام) . وبهذا نقول : ( قد أعذر من أنذر ) .

    ـ ونرى التفكير المنطقي عند مرافق زوج المرأة التي راودت سيدنا يوسف عن نفسه فلما فوجئت ـ وهي تشد النبي يوسف عليه السلام إليها ـ بزوجها ادّعت أنه تحرّش بها ، فنفى يوسف عن نفسه التهمة وألصقها بها وهذا حق فقال المرافق :
    { إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26)
    وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27)}(يوسف) .
    لأنه لو شدَّها فسوف تدافع عن نفسها وتشق قميصه من أمام ، لكنه هرب منها ، فشدته ،
    فشقت قميصه من الخلف:قال تعالى:
    { فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ
    عَظِيمٌ
    (28)}(يوسف)
    وهكذا ثبتت براءة يوسف عليه السلام .

    ـ ونرى المنطقيّة في ردّ القرآن الكريم على الكفار الذين تعجبوا من إرسال بشرٍ نبيّ ، واحتجوا بأن النبي إذا كان ملَـَكاً كان ذلك أدعى إلى التصديق ، فكان جواب القرآن أن الله يرسل إلى كلِّ جنس نبياً من جنسه كي لا يكون هناك انبهار وقهر ، قال تعالى:
    { قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95){(الإسراء) .

    ـ وترى القرآن يسأل في محاكمة عقليّة سليمة ، مَنْ خالق السموات والأرض وله التصرف والقوة ؟ ، فيجيبون : الله ، فيقول معقباً : ما دام هو الخالق فهل تستطيع الآلهة المزعومة أن تمنع نفعهه إن أراد نفعي ، أو تدفع ضره إن أراد ضرّي ؟ . . والجواب لا تستطيع . . فلمن نلتجىء إذاً ؟!! لا شك أن الالتجاء إلى الله ، . . . فهو حسبنا ، وعليه توكلنا .قال سبحانه:
    { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)}(الزمر) .

    ـ ويؤكد هذا حين يستنكر أن يتخذ الناس من هذه الآلهة المزعومة شفعاء يوم القيامة وهي من صنعهم ، لا تضر ولا تنفع ، بينما الشفاعة الحقّة لله تعالى الذي يملك السماوات والأرض ، وإليه نعود ، وعليه نعرض ،وهو القائل:
    { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44)}(الزمر) .

    ـ أما مؤمن آل فرعون فإننا نرى في تحليله الأمورَ محاكمة عقلية راجحة ، قال تعالى:
    { وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ
    أ ـ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ
    ب ـ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ .
    إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)}(غافر) .حيث قرر في نهاية الآية قاعدة رائعة .

    وينبه هذا الرجل المؤمن إلى أننا اليوم نملك القوة ، فماذا نفعل حين يأتي عذاب الله ؟!! قال عز وجل:
    { يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ...(29)}(غافر) .

    ـ وتتكرر المحاجة والمجادلة بين ملائكة العذاب والكفار :
    { وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49)
    قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ
    قَالُوا بَلَى
    قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ
    (50)}(غافر) .
    إنها محاكمة عقلية فقد جاءتهم الرسل بالبينات ، فكفروا ، فكان عقابهم حتماً لازماً .

    ـ وتعال معي إلى الأمر الذي لا يختلف فيه اثنان ـ مراحل الخلق والحياة ـ وبما أن الخالق هو الله ، فبيده كل شيء وهذا أمرٌ لا يختلف فيه اثنان من أهل العقول وهو القائل:
    { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68)}(غافر) .

    ـ والكفار من المشركين وأهل الكتاب يجعلون الملائكة إناثاً ، فيوبخهم القرآن : هل شهدتم خلق الملائكة حتى حكمتم بأنوثتهم . والمشركون وهم مخلوقون يكرهون الإناث ، فكيف يرضون للخالق ما يكرهون ؟! أمر عجيب . . مع أن الذكور والإناث سواء ، قال عز وجل:
    { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17)}(الزخرف) .
    { وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ
    وَيُسْأَلُونَ
    (19)}(الزخرف) .

    ـ ويدّعي النصارى واليهود أن لله ولداً ، وهذا أمر عجيب ، وبهتان كبير . . لماذا ؟! إن الولد يأتي عن شهوة الجماع ، والرغبة في دوام النسل ، فتقلبات الدهر حياة وموت واستبدال قوم
    بقوم . . والله سبحانه حي لا يموت منزّه عن النقائص كاملٌ كمالاً مطلقاً ، فهو سبحانه لا يحتاج لولد فكل شيء عبيد له خاضعون لسلطانه . .
    { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88)
    لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)
    وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)
    لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)}(مريم) .

    ـ وترى القرآن يفتح عقول الناس بهذه الأسئلة الأربعة التي لا تحتاج جواباً باللسان إنما بالقلب والجنان ، والتدبر والتفكير والحسبان .

    1ـ { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62)}(الواقعة) .

    2ـ { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67)}(الواقعة) .

    3ـ { أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)}(الواقعة) .

    4ـ { أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73)}(الواقعة) ،
    { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)}(الواقعة)

    ولا نملك إلا أن نسبح باسم الله العظيم . . .
    [B]ـ وتابع معي هذه الاحتمالات التي تراود المشركين في الصدّ عن سبيل الله ومغالطة الحقيقة الساطعة التي لا تحتمل جدالاً إلا في أوهام المشركين ، وليس لها من الصدق شروى نقير إلا في خُزَعبلاتهم ... احتمالات يطرحها القرآن ، يلجم بها تخرصات المتخرصين وإفك الآفكين .
    { أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)
    قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31)
    أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32)
    أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)
    فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34)
    أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35)
    أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (36)
    أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37)
    أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38)
    أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39)
    أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ
    (40)
    أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)
    أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ
    (42)
    أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43)}(الطور) .

    وأخيراً ، نجد في سورة القلم ، استفهاماً استنكارياً واحتمالات تدحض ـ حين يتمعن بها القارىء ـ أكاذيبَ المشركين .

    { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)
    مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)
    أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37)
    إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38)
    أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39)
    سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40)
    أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41)}(القلم) .
    { أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) }(القلم) .

    إنك ترى الدفع إلى التفكير المنطقي ، والمحاكمة العقليّة ، يوصل ـ إن كنت منصفاً ـ إلى الجواب الصحيح .
    نسأل الله تعالى أن نكون من المنصفين

    يتبع


    .

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /التسلسل المنطقي/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 19th 2015, 7:20 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    التسلسل المنطقي

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    سرد الأحداث أو الأفكار مسلسلة مرتّبة يقيّد المتلقي في أمور عدة منها :
    1ـ استيعاب الأفكار أو الأحداث دون انقطاع.
    2ـ حسن المتابعة لما يُلقى عليه وحسن التفاعل.
    3ـ قدرة المتلقي على الحكم السليم على ما يسمع.
    4ـ الاستجابة لعدد أكبر من الأفكار والمعلومات.
    والقرآن الكريم يخاطب أولي الألباب ، والقومَ الذين يعقلون ، ويتفكرون وأولي الأبصار . . . ويسعى إلى إقناعهم بما يلقي عليهم واكتسابِهم وإنقاذهم من الضلال . . فلا غرو أن يخاطبهم بهذا الأسلوب المتميز الذي يسارع في الوصول إلى الهدف .

    ـ فمن الأمثلة على التسلسل المنطقي قوله تعالى : { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
    فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ
    وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي
    وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا
    لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
    وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ
    (195)}(آل عمران) .
    إن التسلسل المنطقي في هذه الآية :
    1ـ تقديم الذكر على الأنثى.
    2ـ يشعر المسلم بالضيق فيهاجر.
    3ـ ينصبُّ العذاب على من بقي فيضطر للخروج مكرهاً .
    4ـ يُطاردون ويؤذَوْن في سبيل الله.
    5ـ يقاتلون الأعداء الذين أساءوا إليهم.
    6ـ يُقتلون في المعركة.
    7ـ إن الصبر على الذى ثم الجهاد في سبيل الله والاستشهاد يكفّر عنهم سيئاتهم فيكونون أهلاً لدخول الجنة .
    8ـ فيدخلونها . . .

    ـ ومن الأمثلة عليه كذلك قوله تعالى :
    { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
    يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ
    وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
    فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ
    وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
    (111)}(التوبة).
    فكان التسلسل المنطقي كما يلي :
    1ـ شراء النفس وهي أغلى.
    2ـ شراء الأموال. . والبَدَلُ " الجنّةُ " .
    3ـ بدء القتال في سبيل الله.
    4ـ يَقتلون ويُقتلون .
    5ـ الوعدُ في التوراة أولاً والإنجيل ثانياً والقرآن ثالثاً حسب التسلسل الزمني.
    6ـ الذي وعد بذلك هو الله سبحانه وتعالى ، ووعدُهُ الصدق.
    7ـ البيع ـ إذاً ـ صحيح وافر الربح كبير الفوز . . .

    ـ ومن أمثلة التسلسل المنطقي كذلك قوله سبحانه جلّ شأنه :
    { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)
    أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2)
    وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
    وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ
    (3)
    إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)
    أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ
    أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
    (5)}(هود) .
    يظهر التسلسل المنطقي فيما يلي :
    1ـ نُظِّم القرآن تنظيماً محكماً ليس فيه تناقض ولا خلل.
    2ـ ثم فُصِّل تفصيلاً دقيقاً كاملاً موضحاً مراميه.
    3ـ جاءت صفة حكيم تناسب الإحكام ، وصفة خبير تناسب التفصيل والشرح .
    4ـ لِمَ أُحكم وفصِّل ؟ ليعبد الناسُ ربهم العبادة الصحيحة .
    5ـ ما دور الرسول صلى الله عليه وسلم:
    أ ـ إنذار الناس من عذاب ربهم إن خالفوه .
    ب ـ بشارتهم بفضله وعفوه إن آمنوا به وأطاعوه .
    6 ـ من علائم العبادة عند معرفة الله تعالى الاستغفار أولاً ، والتوبةُ إليه من الذنوب ثانياً .
    7 ـ فإن حصل هذا نال كل محسن جزاءه.
    8 ـ وإلا كان هناك عذاب كبير في يوم مخيف.
    9 ـ ومتى هذا ؟ يوم القيامة حين ترجعون إلى الله تعالى .
    10ـ وهل يستطيع ربنا إحياءنا بعد إماتتنا ؟ نعم إنه على كل شيء قدير .
    11ـ يظهر بعض من يخالف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حبه إياه ويضمر كرهه وعداوته .
    12ـ فالله سبحانه يعلم ما يسرون وبدأ بالسر ليناسب الاختباء والتغطية بالثياب خوف الفضيحة ، ثم
    جاءت كلمة يعلنون .
    13ـ هل يعلم الله السر ؟ نعم . . إنه عليم بذات الصدور .
    إنها متابعة دقيقة وتعليل متسلسل ، ينتقل من فكرة إلى فكرة انتقالاً واقعياً منطقياً ليس فيه انقطاع .

    ـ ومن الأمثلة كذلك قوله تعالى :
    { َمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
    أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ
    أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
    (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا
    وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
    (19)
    أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ
    يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ
    (20)
    أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22)}(هود).
    ويبدو التسلسل المنطقي في عرض الأفكار هنا فيما يلي :
    1ـ يوم القيامة يعرض المكذبون على ربهم سبحانه.
    2ـ يفضحهم الله تعالى حين يأمر الأشهاد من الخلائق أن يشيروا إليهم بالكفر، والفساد ، والكذب.
    3ـ تنصبُّ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لكفرهم ، وظلمهم.
    4ـ هؤلاء كانوا يمنعون الناس من اتباع الحق ، ويريدون أن تكون السبيل معوجة ، وجحدوا
    بالآخرة وكفروا بها .
    5ـ فهل أفلتوا من عذاب الله ؟ هل هناك من نصير يدفع عنهم العذاب ؟ لا . . .
    6ـ بل يضاعف لهم العذاب لأنَّ الله تعالى جعل لهم سمعاً وبصراً ، لكنهم كانوا صماً عن سماع الحق ، عُمياً عن اتّباعه ، فلم ينتفعوا بما حباهم الله من حواس .
    7ـ قد يخسر الإنسان شيئاً مَهْما كان مُهِمَّاً فيعوضُه. لكنْ حين يخسر نفسه فهذه هي الخسارة التي لا تعوّض .
    تسلسل رائع في عرض الأفكار وتحليلها ، والوصول إلى الهدف المنشود .

    ـ ومن الأمثلة على التسلسل المنطقي قصة نوح عليه السلام لكننا نقتطع من المشهد كلِّه جانباً واحداً . .
    قال تعالى : { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي
    وَغِيضَ الْمَاءُ ،
    وَقُضِيَ الْأَمْرُ
    وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
    وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
    (44)}(هود) .
    ويبدو التسلسل فيما يلي :
    1ـ الأمر للأرض أولاً أن تبتلع ماءها الذي نبع فيها ، ويرتفع إلى السماء الماءُ الذي نزل على الأرض. هذا في رواية ، وفي رواية أخرى أن تبتلع الأرض ماءها وماء السماء الذي نزل ، فمهمتُها أشقَّ ، ثم الأمر للسماء أن تحبس مطرها .
    2ـ ذهب الماء في أغوار الأرض ، وتم بهذا إغراق مَنْ غرق ونجاةُ من نجا.
    3ـ ثبات السفينة على الأرض فوق جبل الجودي ، فنزل الناس واطمأنوا .
    4ـ لما انتهى كل هذا ، وتبيّن هلاك الكافرين كان الدعاء عليهم .

    ـ ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى :
    { قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا
    فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ
    (47)
    ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48)
    ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)}(يوسف) .
    ويظهر التسلسل هنا فيما يلي :
    1ـ زرع سنين سبعٍ بجهد ونشاط وهذه سنوات الرخاء.
    2ـ تخزين مالا يحتاج إليه من القمح في سنبله كي لا يسوس ، وأكل ما يُحتاج إليه .
    3ـ تأتي سنون سبعٌ جدباء لا زرع فيها ذات شدة وقحط على الناس ، تأكلون فيها ما ادخرتم أيام الرخاء .
    4ـ اتركوا للسنة الثامنة بعض القمح الذي ستزرعونه فيها.
    5ـ في السنة التي تخلُفُ سنيَّ الجدب العصيبة يعم الرخاء فيكثر المطر والزرع والأعناب .

    ـ ومن الأمثلة ذلك أيضاً قوله تعالى :
    { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)}(النحل) .
    1ـ يعذب المشركون مَنْ آمن ويفتنونهم عن دينهم.
    2ـ يضطر المسلمون إلى الهجرة للنجاة بدينهم وإنشاء مجتمع مسلم.
    3ـ والمجتمع المسلم لا يحميه سوى الجهاد في سبيل الله.
    4ـ للجهاد في سبيل الله مشاق ، على المسلم أن يتحمّلها ويصبر عليها.
    5ـ بعد الهجرةِ والجهادِ والصبرِ يغفر الله تعالى ويرحم.
    أفكار متسلسلة تأتي الواحدة إثر الأخرى بشكل طبيعي .

    ـ ومن الأمثلة على التسلسل قوله تعالى :
    { وإذا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا
    فَفَسَقُوا فِيهَا
    فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
    فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا
    (16)}(الإسراء) .
    لا بدّ لإهلاك أي قرية من سبب . . فما هو السبب . . ؟ :
    1ـ يسلط الله الأشرار المتنعمين ، فيأمرهم أن يحكموا بشرعه ، ويسرعوا إلى مرضاته .
    2ـ لكنّهم يعصون فهم مجبولون على الفساد والطغيان.
    3ـ وجب ـ إذاً ـ عليهم العذاب بفسقهم وطغيانهم.
    4ـ فيدمّرُون تدميراً مريعاً ويهلكون هلاكاً شديداً.

    ـ ومن أمثلة التسلسل المنطقي قوله تعالى :
    { آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ
    حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا
    حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا
    (96)
    فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)}(الكهف) .
    1ـ رَفَعَ سداً بين الجبلين من قطع الحديد بارتفاعهما.
    2ـ أشعل النار في الحديد حتى احمرَّ ، وصار كالنار من شدة الإحماء.
    3ـ صبَّ النحاس المذاب على الحديد ، فسدَّ ما بين الشقوق وملأ الفراغات .
    4ـ صار السدُّ قطعة واحدة يستحيل تحريكها أو نقبها.
    إنه عمل متقن مرتب ترتيباً محكماً .

    ـ ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ
    تَابَ
    وَآَمَنَ
    وَعَمِلَ صَالِحًا
    ثُمَّ اهْتَدَى (82)}(طه).
    إنّ هذه الآية مثال صارخ على التسلسل ، فأمعن النظر فيها وتدبّر .
    ـ هناك آيات كثيرة تتحدث عن الخَلْقِ وترتيبه .
    في سورة " المؤمنون " الآيات [ 12 ـ 16 ] ، وسورة " الروم " الآية [ 40] ، وسورة " السجدة " الآيات [ 7 ـ 9 ] ، وسورة " الحج " الآية [ 5 ] .

    ـ وأخيراً يقول الله سبحانه وتعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ
    مِنْ تُرَابٍ
    ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ
    ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ
    4ـ 5ـ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ
    وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
    ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
    ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
    وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا . . .}(الحج).
    (قدّ صم المخلقة على غير المخلقة للبناء اللفظي المحكم وهذا لا يخفى على القارىء اللبيب)

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /التجريب/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 20th 2015, 6:11 pm


    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    التجريب

    الدكتور عثمان قدري مكانسي




    طريقة تربوية ، عمليّة ، تفيد في عدة أمور :

    أولها : تثبيت الفكرة أو الأمر في النفس ، وتأكيدها .
    ثانيها : اختبار المرء في أمرٍ ما ، للحكم على مقدرته .
    ثالثها : تعويده على شيء يخافه ليطمئنَّ قلبه ، فلا يخاف استعداداً لما قد يستجد .
    رابعا : كشف سريرة المدّعي ، وفضحه .
    خامسها : تنقية الصف من شوائبه .
    سادسها : التوصل لأمر جديد لم يكن موجوداً سابقاً .

    ـ فمثال الأمر الأوّل : تثبيت الفكرة وتأكيدها :

    أ ـ قصة عُزَير الذي أماته الله مئة عام ، وحفظ طعامه وشرابه ، فلم يفسُدا وجمعَ عظام حماره ثم كساه لحماً ، ونفخ فيه الروح فعاد كما كان . قال تعالى :
    { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا
    قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ؟.
    فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ
    قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ؟
    قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
    قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ
    فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ
    وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا
    فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
    (259)}(البقرة) .
    ننشزها : نركب بعضها فوق بعض

    ب ـ وقصة إبراهيم عليه السلام الذي أراد أن يزداد بصيرة في قلبه ، وعقله ، فسأل الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى ، مع العلم أنه شديد الإيمان بربّه وقدرته
    { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى
    قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
    قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
    ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا
    ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا
    وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
    (260)}(البقرة) .
    صرهنّ : اقطعهنّ واخلطهن بعضهنّ ببعض
    ولم يَشُكَّ إبراهيم عليه السلام في قدرة الله ، ولكنه سؤال عن كيفيّة الإحياء ، ويدلُّ عليه وروده بصيغة " كيف " وموضوعها السؤال عن الحال ، ويؤيد هذا المعنى قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (( نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم )) ومعناه : نحن لم نشكَّ ، فلأنْ لا يَشُكَّ إبراهيم أولى .

    ـ ومثال الأمر الثاني : اختبار المرء :
    قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) }(المائدة).
    فاختبر الله تعالى المؤمنين في إحرامهم بالحج بشيء من الصيد يمكن إمساك صغاره باليد ، واقتناص كباره بالرمح . . ومع أن العرب تتلذَّذ بالصيد واقتناصه إلا أن المسلمين لم تمتدَّ أيديهم إليه . . وهكذا كان المؤمنون عند حسن ظنِّ ربهم بهم إذ امتنعوا عن الصيد وهم مُحرِمون وكانوا من الصادقين .
    وقال سبحانه عزّ من قائل : {. . . وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)}(لأنبياء) ، فهو سبحانه يختبرهم بالمصائب والنعم ليرى الشاكر من الكافر ، والصابر من القائط ، والطاعة والمعصية ، والهدى والضلال . . . يختبرهم بما يحبون ليرى كيف شكرهم ، وبما يكرهون ليرى صبرهم . فهم إليه راجعون فيجازيهم بأعمالهم .

    ـ ومثال الأمر الثالث : التعوّد على الشيء والاطمئنان إليه :
    قوله سبحانه وتعالى :
    {  وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ
    يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
    (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11)
    وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) }(النمل).
    إن الله سبحانه وتعالى حين أراد لموسى أن يكون رسوله إلى فرعون ، وأمام فرعون سيلقي عصاه وتنقلب ثعباناً ، ويخاف موسى من الثعبان ويهرب وعندئذ يكون سخرية لفرعون وقومه حينما يهرب ، جرّب الأمر ، بعيداً عنهم ليعتاد عليه ، فحين ألقى العصا أمام فرعون كان هذا سهلاً عليه ولم يفاجأ ، وكذلك الأمر في إدخال يده إلى فتحة ثوبه ، وإخراجها مضيئة ساطعة تتلألأ كالبرق الخاطف دون مَرَشٍ أو بَرَص .

    ـ ومثال الأمر الرابع : كشف سريرة المدعي وفضحه :

    أـ قول الله سبحانه مخاطباً رسوله الكريم :
    { عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)
    لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
    وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ
    (44) }(التوبة) .
    فهذا عتاب لطيف للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين أذن للمنافقين في التخلف عن الخروج بمجرّد الاعتذار . فهم سواءٌ أَذِنَ لهم أم لم يأذَنْ لهم فسيقعدون ويتخلفون عن غزوة تبوك ، فكان الاعتذار وقبُوله ساتراً لهم ، فلم يفضحهم أما المؤمنون فلا يعتذرون عن الجهاد لأنه سنام الأمر وذروة الإسلام .

    ب ـ وقوله سبحانه وتعالى في المخلفين من الأعراب : { قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) }(الفتح) .
    لم يسمح رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمخلّفين عن عمرة الحديبية أن يخرجوا معه إلى خيبر لفتحها وأخذ غنائمها مع المسلمين ، وهذا عقاب لهم لتخلفهم ذاك . فلما ادعوا أن المسلمين منعوهم الذهاب معهم لأنهم لا يودون مشاركتهم في الغنيمة قال لهم : ستدعون إلى حرب قوم أشداء هم بنو حنيفة قوم مسيلمة الكذاب أصحاب الردّة ، فإما أن يدخلوا في دينكم أو تقاتلوهم ، فإن تستجيبوا ولا تتخلفوا يعطكم الله الغنيمة والنصر في الدنيا ، والجنّة في الآخرة ، وإن تتخلفوا كما تخلفتم زمن الحديبية ، يعذبكم الله عذاباً أليماً في نار جهنّم ، فلا عذر أبداً عن تخلف المسلمين عن الجهاد .

    ـ ومثال الأمر الخامس : تنقية الصف من الشوائب :
    قوله سبحانه :
    {  فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ
    فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ
    فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
    . . . (249)}(البقرة) .
    إن طالوت أراد أن يعرف جلد جنوده وصبرهم وثباتهم في القتال ، والقائد حين يعرف جنوده يقدِّر للمعركة ، مكانها ، وزمانها ، وحجم قواتها . . فمرَّ بهم على نهر ، وأمرهم أن لا يشربوا منه ، ومَنْ كان عطشان فليشرب قليلاً ، لكنَّ أكثر الجنود شربوا فصرفهم من جيشه ، فلا خير في
    جنود لا يطيعون قائدهم قبل القتال لأنهم في القتال سينهزمون ، فلْيتخلص منهم ليكون على بينة من أمره وليكون جيشه من النوع الجيّد الذي لا شائبة فيه .

    ـ مثال الأمر السادس : التوصل لاكتشاف جديد :
    قوله تعالى على لسان الجن : { وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ( 8 ) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9 )}(الجن).
    فمن عادة الجن أن يبلغوا السماء لاستماع كلام أهلها ، لكنَّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين ولد مُنِعت الجنُّ أن تسترق السمع من أهل السماء بله الاقتراب منها ، فقد ملئت بالملائكة الذين يحرسونها ، وبالشهب المحرقة التي تقذف من يحاول الاقتراب منها .
    لقد كانوا يأخذون الأخبار ، ويلقونها إلى الكهّان مغلوطة مبتورة ، فيتلقفها هؤلاء يزيدون فيها ويسرفون ، فمن يحاول استراق السمع بعد الآن يجد شهاباً ينتظره راصداً إياه ، فيحرقه ويهلكه .
    فعملية التجريب إذاً تجعل الإنسان يلمس بيديه ، ويرى بعينيه ، ويسمع بأذنيه ، فيثبت الأمر في نفسه ولا ينساه أبداً .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /التخطيط واتخاذ الأسباب/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 20th 2015, 6:32 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    التخطيط واتخاذ الأسباب

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    العمل الارتجالي لا يؤتي أكله كما لو كان مُعَداً إعدادً جيداً ومدروساً دراسة وافية ، ومعروفة أبعاده وجدواه ، ومراحله .
    وكل عمل أو فكرة تخطر على البال لا بدَّ أن تخطط له تخطيطاً ، جيداً تراعي فيه الهدف منه وبدايته وإتمامه وإيجابياته وسلبيّاته ، وإلا كان عملاً عشوائياً قد ينجح وقد يفشل ، واحتمالات فشله أكبر . وإن نَجَحَ فنجاحُه مرحليٌّ أو غير مكتمل .
    والقرآن الكريم يضع بين أيدينا نماذج من التخطيط ، الذي يؤدي إلى الوصول إلى الهدف المنشود منها
    ـ ولنقرأ في سورة يوسف ما فعله إخوته حين شعروا أن أباهم يحب يوسف أكثر منهم ، ويفضله عليهم ، فماذا يفعلون ؟ تدارسوا الأمر فيما بينهم ، قال تعالى : { اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)} .
    تفكير شيطاني سهَّلَ لهم القتل ، وبعد ذلك يعودون أتقياء أنقياء وكأن القتل لا يترك في القلب نكتة سوداء تؤرق صاحبها إلى أن يموت ، قال سبحانه: { قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10)} .
    وقلبوا وجوه الأمر فرأوا أن إلقاءه في الجب أسلم لهم ، ولن يؤرقهم كما لو أنهم قتلوه . . ثم جاءوا أباهم يقنعونه أن يسمح لهم باصطحاب يوسف معهم ، في رحلة برية يتريضون ويصطادون ، وأكدوا لهم حرصهم على أخيهم ، فلما أظهر الأب تخوفه أن يتركوه وهو صغير فيعدو عليه ـ في غفلة منهم ـ الذئبُ فيأكله أقسموا أنهم لا يتركونه وإلا فهم خاسرون . وكأنه لقّنهم حجة هم بحاجة إليها يتعللون بها عند أبيهم . . وهكذا كان ، قال تعالى:
    { قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14)} .
    وحبكوا قصّتهم ورتبوا مكرهم ونفذوا خطتهم ، قال عز وجل: { وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)} .
    فقد :

    1ـ جاءوا أباهم عشاءً فلا يرى الغدر في عيونهم.
    2ـ بدأوا يبكون فشعر بالخطب الجسيم قبل أن يلقوه على سمعه .
    3ـ هيّأه بكاؤهم على تقبّل المصيبة التي سيسمعها منهم.
    4ـ تلطّفوا له بالقول: " يا أبانا " ولهذا فائدتان:
    الفائدة الأولى : هي كلمة استعطاف ليرقّ قلبه لهم فلا يعاقبهم .
    الفائدة الثانية : إيهامه صدقهم في حرصهم على أخيهم .
    5ـ لقّنوه الحجة التي سمعوها منه في اعتذاره عن إرسال يوسف معهم " يأكله الذئب " .
    6ـ أنت لا تصدقنا مع أننا صادقون.
    لكنَّ هذا التخطيط المحكم نقض بخطأ كبير وقعوا فيه دون أن يشعروا ، قال جل شأنه : { وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ...(18)} .
    كان القميص ملوّثاً بدم لكنّه غير ممزّق ، فالذئب الذي أكله كان ذكياً!! لقد جعله يخلع قميصه قبل أن يأكله حتى يستفيد منه إخوته!! لذلك لم يكن التخطيط كاملاً ، فهذه الثغرة فضحتهم ، وعرف الأب ذلك فقال : هذا مكر دفعكم إليه نفوسكم الخبيثة .

    ـ وهذه إمرأة العزيز تراود يوسف حين بلغ مبلغ الرجال وكان جميلاً ، وسيماً ، تتفجر الدماء من عروقه ويطفح وجهه إشراقاً فيأبى ذلك ، قال تعالى : { وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) }، فزوجُها أكرمَ يوسفَ ، وتعهده بالرعاية . فكيف يسيء إليه في زوجته ؟! لا يفعل ذلك إلا الخائنون الذين يجازون الإحسان بالسوء ، ويوسف ليس منهم .
    وانتشر الخبر بين نساء المدينة :
    أـ امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه .
    ب ـ امتنع عليها وأذلَّ كبرياءها .
    والأمران وصمة عار عليها فأرادت أن تلجم أفواههن فماذا فعلتْ :
    1ـ دعتهن إلى قصرها.
    2ـ أكرمتهن بالطعام والفاكهة.
    3ـ أمرت يوسف أن يخرج عليهن فخرج.
    4ـ رأينه فائق الجمال ملكاً يمشي على الأرض ، فدهشن لهذا الجمال الأخاذ.
    5ـ لم يشعرن إلا والدماء تسيل من أصابعهن فقد أخذ الإعجاب بجماله والدهشة له منهن كل مأخذ ، فجرحن أيديهن .
    6ـ شعرت بالانتصار عليهن ، فعاتبتهن على ما قلن في حقها من تجريح .
    7ـ حين رأت نفسها منتصرةً عليهن باحت بمكنون قلبها نحوه ، وأصرت على تعلقها به والرغبة في وصاله ، ولو أدى ذلك إلى سجنه إن أبى .
    وهذه خطة جهنميّة لا يفعلها إلا صاحب الكيد الذكي ، قال سبحانه : { فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) }.
    ثم تأمل معي كيف خطط عليه الصلاة والسلام للخروج من السجن بل كيف خطط الله تعالى له :
    1ـ { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ
    2
    ـ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)
    قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ 4
    ـ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)
    وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي
    فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)
    قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) }.

    وهكذا كان تخطيط الله تعالى له حيث أخرجه من السجن إلى الصدارة ومن كونه مرؤوساً إلى صيرورته رئيساً .

    وكيف خطط يوسف عليه السلام لاستعجال أخيه بنيامين إلى مصر ؟ :
    1ـ { وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58)
    وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59)
    فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60)
    قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61)
    قَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)
    فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)} .
    7ـ { وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) }
    إضاءة : أراد أن يرى أخاه الشقيق ، فأظهر تعجبه من كثرتهم وهم عشرة رجال ، فقالوا هناك عند أبيهم رجل آخر . فقال عند ذلك جيئوا به لأراه ، فإن لم يجيء فلا كيل لكم عندي .
    ولن يعودوا سريعاً ، إنما سيعودون حين ينفذ القمح ، لذلك جعل ثمن البضاعة فيها لعلمه أنهم حين يفتحون متاعهم ، سيجدون ثمنه ، وسيضطرون إلى العودة لدفع الثمن ، وفي الوقت نفسه يأخذون ميرة جديدة ، لكنه لم يعطيهم إذا لم يكن أخوه معهم . إذاً سيضغطون على أبيهم ليسمح باصطحابهم بنيامين وهكذا كان ، بعد أن استوثق منهم على الحفاظ عليه .
    أما كيف خطط ليحتفظ بأخيه دون أن ينتبهوا إلى ذلك ؟ قال عز وجل :
    1ـ { وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69)
    فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ
    ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)
    قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73)
    قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)
    فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ
    ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ . . (76) .
    في شرع الملك كان السارق يضرب ، ويعنّف ، ويدفع ضعف ثمن ما سرقه . أما في شرع يعقوب وأبنائه فإن السارق يصبح عبداً لمن سرقه ، فعاملهم بشريعتهم لا شريعة الملك .

    ـ أما قصة سيدنا موسى في سورة طه ، وتيسير الله وحفظه له في قصر فرعون فتراها في الآيات
    [ 37 ـ 40].
    1ـ أوحى الله إلى أمّه أن تضعه في صندوق خشبي بعد إرضاعه .
    2ـ أمرها بإرضاعه كي يحبه موسى ، فلا يتقبّل موسى ما يُقدَّم له من حليب المرضعات غير حليب أمه الذي استساغه ولن يرضى بغيره .
    3ـ دفعته الأمواج بإذن الله إلى قصر فرعون ، عدو الله ، وعدو موسى .
    4ـ كتب الله له القبول عند آل فرعون ، ليبقى عندهم .
    5ـ متابعةُ أخته له حتى تعرف إلى أين سينتهي.
    6ـ أختُه تدلُّ الباحثين على أمه لترضعه.
    7ـ عودة موسى إلى أمّه بعون الله ومساعدته.
    إنه تخطيط رب العالمين ، يحفزنا على ترتيب ما نريده بخطة سليمة ، وتفكير سديد .

    ـ ونلحظ التخطيط في كسر إبراهيم أصنام قومه ، حين أرادوا الخروج من المدينة في عيد لهم فأعتذر بأنه مريض فتركوه ، وخرجوا ، فاغتنم فرصة خلوّ المكان فانطلق إلى الأصنام فحطمها ، قال جل شأنه : { فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)}(الصافات) .

    ـ أراد الله سبحانه وتعالى أن يعبده الناس متجهين إلى قبلة محددة ، فبيّن لإبراهيم مكان بناء البيت كي يقصده الناس حاجين وأمره بعد انتهاء البناء أن يؤذِّن فإذا أذَّن أسمع الله نداءه إلى المخلوقات جميعاً .
    { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ
    أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا
    وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
    (26)
    وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) }(الحج) .
    فالله سبحانه خطط منذ القدم أن يكون البيت الحرام في مكة قبلة لعباده ، يحجون إليه ويطوفون حوله ويعبدون ربّه .
    وقام إبراهيم وابنه اسماعيل ببناء البيت وتجهيزه لحجاج بيت الله الحرام ، ثم أذّن فسمعت النُّطَفُ أذانه فرددت ما قال .

    ـ وفي سورة النمل الآيات [ 27 ـ 44 ] :
    1ـ عاد الهدهد إلى سليمان يحمل خبر مملكة اليمن التي يسجد أهلها للشمس ويعبدونها .
    2ـ حَمَّلَ سليمانُ عليه السلام الهدهد كتاباً فيه دعوة إلى الإيمان بالله ، يلقيه بين يدي بلقيس ملكة سبأ ، ثم يبتعد فيراقب ردة الفعل .
    3ـ أرسلت بلقيس هدية إلى سليمان علّه يتركها وبلادها.
    4ـ لما أبى سليمان إلا إسلامها وقومها انطلقت إلى عاصمة ملكه زائرة .
    5ـ أراد اختبار ذكائها فأمر بحمل عرشها إلى فلسطين.
    6ـ حمله أحد العارفين بالله في لمحة البصر بإذن الله.
    7ـ نكّر عرشها وعرضه عليها فلم تخطئه.
    8ـ بنى قصراً من الزجاج الصافي ، فلما أرادت دخوله كشفت عن ساقيها ظانّة أنه ماء لشدة صفائه .
    9ـ رأت عظمة ما لسليمان من ملك ونبوّةٍ فآمنت بدينه.
    والملوك لتعاظمهم لا يسلّمون لأمر إلا إذا كان عظيماً ، فخطط سليمان لذلك بجلب عرشها وبناء القصر العظيم ليخلب لبَّها ابتداءً فتسلم له ، وكان تخطيطه موفقاً .
    ـ وقبل ذلك نجد النملة تتخذ الأسباب ، ويساعدها على ذلك سليمان عليه السلام ، فنرى سليمان ينطلق وجنوده من الجن والإنس والطير ، فيصلون إلى وادي النمل ، وكان النمل خارجاً من أعشاشه يبحث عن رزقه ، فإذا ظلَّ منتشراً في الوادي فستطؤه أرجل الجنود ، وحوافير الخيل ، وقوائم السباع ، والجيش كبير العدد ، ولن تسلم نملة منهم ، فقالت نملة لبيبة رأت من بعيد جيش سليمان يهز الأرض تحته صارخة في قومها منبهة السامعين منهم ليحذروا ، قال سبحانه: { حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) }(النمل) .
    فيسمع سليمان عليه السلام صوتها وتحذيرها ، فيوقف تقدم الجيش ، ويسألُ ربه أن يرزقه شكره على نعمه التي وهبه إياها ولوالديه ، ويسأله العمل الصالح الذي يرضيه ، وأن يرزقه جنته ورضوانه ، ودخلت النملة مسكنها وتبعها النمل فخلا الجوُّ منهم (عاملتُ النملَ معاملة المذكر لأن الله سبحانه وتعالى حين تحدث عنهم فقال { . . ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ . . } جعل الخطاب بواو الجمع وميم الجمع ، والله أعلم ) .
    وفرغت الأرض ، فانطلق الملك سليمان عليه السلام إلى هدفه شاكراً حامداً . .
    ويخاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتخذوا الأسباب الماديّة والمعنوية في لقاء العدو .

    ـ أما المثال على اتخاذ الأسباب المعنوية فقوله سبحانه : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً
    أ ـ فَاثْبُتُوا
    ب ـ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45)
    جـ ـ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
    د ـ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
    هـ ـ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)}(الأنفال) .
    ثم نهاهم أن يكونوا بطرين أشرين يراؤون الناس ولا يخلصون لله سبحانه :
    { وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) {الأنفال).
    فالثباتُ ، وذكرُ اللهِ ، وطاعتُه وطاعة رسوله ، والوحدةُ الإيمانية ، والصبرُ ، والبعد عن الرياء ، والإخلاصُ لله سبحانه أسباب معنوية ، إن اتخذها المسلمون نصرهم الله تعالى ، ولا أرانا في هذه الأيام الرديئة نتصف بواحدة منها . . . لذلك ترانا كالقصعة التي يتداعى الأَكَلَةُ الشرهون إلى التهامها .

    ـ والمثال على اتخاذ الأسباب المادية قوله سبحانه : { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)}(الأنفال) .
    فالإعداد الماديّ يستدعي :
    1ـ التربية البدنيّة واللياقة العالية.
    2ـ التدريب على السلاح بكل أنواعه.
    3ـ تأمين السلاح الثقيل ، والتدرب عليه.
    4ـ إرهاب العدو بإظهار القوة قدر الإمكان.
    5ـ القوة ترهب من يمدُّ العدوُّ ويساعده.
    6ـ إنفاق المال في سبيل الله والعقيدة.

    وهذا سيدنا موسى عليه السلام يرى ـ وهو عائد إلى أهله في مصر وزوجته معه ـ ناراً والدنيا باردة ، والمكان مظلم ، ولا بدَّ للدفء والأمان ، ورؤية من يقصدونه من الحصول على النار ، وها هو يراها من بعيد فيترك أهله قريباً من المكان ، ويسرع إلى الضوء ليقبس قبسة تفيده فيما يرمي إليه من أحد يدله على الطريق ، فقد ضلّ عنه وقد هبت ريح شديدة فرّقت ماشيته ، فهو يسعى لنار تريه إياها كما أن زوجته أخذها الطلق ، وهذا أخذ بالأسباب الموصلة إلى الراحة ، والأمان ، والدفء . . .
    وهناك يكلمه الله سبحانه وتعالى ويعرفه بحقيقته ، ويأمره أن يذهب إلى فرعون يدعوه إلى الله سبحانه { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)}(القصص) .
    ويعطيه الله سبحانه من الأسباب المساعدة على إبلاغ الدعوة سلاحين :
    أ ـ العصا التي تنقلب ثعباناً يثير الرعب والهلع في نفوس الحاضرين .
    ب ـ التوهج الشديد ليده حين يدخلها في جيب قميصه .
    كما يؤيده بأخيه هارون فهو فصيح اللسان واضح الكلام .
    وينفي عنه الخوف من فرعون أن يقتصَّ منه لأنه قتل قبطياً ، قال عز وجل:. .
    { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ
    يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ
    (31)
    اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
    وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ
    فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ
    (32)
    قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34)
    قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا
    بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ
    (35)}(القصص) .

    ـ وتأمل معي أمر الله تعالى لموسى في النجاة من فرعون ، ثم إغراق فرعون :
    { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) }(طه).
    { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58)
    كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59)
    فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60)
    فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)
    قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)
    فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64)
    وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65)
    ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66)}(الشعراء) .
    { فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24)}(الدخان) .
    والرهْوُ : ترك البحر منفرجاً مفتوحاً
    تجد موسى عليه السلام اتخذ الأسباب التالية :
    1ـ استنجد بربه حين دعاه أن ينقذه وقومه من فرعون وجنده .
    2ـ أمره الله أن ينطلق بقوة اتجاه المشرق ، فسار بهم ليلاً كي يقطع مسافة طويلة قبل أن يشعر بهم فرعون .
    3ـ وحين وصلوا إلى شاطىء البحر كان فرعون مسرعاً بجيشه يقترب منهم . فقد رأى كل من الطرفين الطرف الآخر ، فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ففعل ، فانفلق البحر ، وانشق طريقٌ يابسٌ بين جبلين من الماء .
    4ـ أسرع موسى بقومه إلى الطرف الآخر وهم مشفقون خائفون .
    5ـ وصل موسى وقومه إلى الشاطىء الآخر ، وهمَّ أن يضرب الماء ليعود البحر كما كان حتى لا يستطيع فرعون العبور إليهم .
    6ـ أمره الله سبحانه أن يترك البحر كما هو ليدخل فرعون الطريق وجنوده ، فلما صار الجيش كلّه في الطريق أمر الله تعالى الماء ، فعاد كما كان فأغرق الكافرين .

    فالاستنجاد بالله ، والدعاء له ، والمسير في الليل ، وضرب الماء ، ثم الهمٌّ بضربه مرة أخرى ليعود كما كان . . اتخاذ للأسباب .
    لكنَّ التخطيط واتخاذ الأسباب لا يوصلان إلى الهدف إلا إذا أراد الله سبحانه وتعالى ذلك ، فعلينا التفكير وعلى الله التدبير ،

    وهذا هو التوكل على الله .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /الإشهاد والشهادة/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 20th 2015, 7:18 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    الإشهاد . . والشهادة

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    لهاتين الكلمتين معانٍ عدة :
    فـ (شهد) : أَخبر الخبر القاطع ، وأدّى ما عنده من علم بأمرٍ ما ، وأقرَّ بما علم ، وعاين الشيء ، وأكد ما سمع ، وأخبر بما رأى .
    و (أشهد) على الأمر : جعله يشهد عليه ، وأشهد الشيء : أحضره .
    فلا تكون الشهادة والإشهاد إلا على حقيقة ساطعة ، وأمْرٍ بيّن لا إبهام فيه ، وقد قيل :
    ( على مثل ضوء الشمس فاشهد).

    أولا ـ فرضية الشهادة : وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نشهد لإرضائه في إقرار الحق وإبطال الباطل ، فقال آمراً بالشهادة :
    { ...وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ... (282)}(البقرة) .
    وقال أيضاً : { ...فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ...(6)} (النساء).
    وقال أيضاً : {... وأقيموا الشهادة لله...(2) }(الطلاق).
    ولذلك كان كتم الشهادة وإغفالها ظلماً وجوراً ، لا ينبغي للمسلم الوقوع في إثمها ، قال تعالى :
    { ...وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ... (140)}(البقرة).
    وقال تعالى : { . . . وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106)}(المائدة) .

    ثانيا ـ مكانة الشهادة :
    أ ـ الشهادة إقرار بالحق .
    ب ـ دعوة إليه وإصرار عليه .
    جـ ـ أصحابها بلغوا ذروة من الشرف والعلم .
    قال تعالى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)} (آل عمران) .
    ولأن الشهادة إقرار بالحق استنكر القرآن الكريم كفر أهل الكتاب على الرغم من أنهم يشهدون الحق ويعرفونه . . قال تعالى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) }(آل عمران) .
    ويقول الله تعالى موضحاً مكانة الشهادة كي لا يضيّعها أحد : { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً
    قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
    وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ
    أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى
    قُلْ لَا أَشْهَدُ
    قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
    (19)}(الأنعام) .
    وقال سبحانه : { ... أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)}(الزخرف) .

    ثالثا ـ وجوب أداء الشهادة :
    وحين تشهد على أمرٍ فلتـُلق ِ شهادتك كاملة ، ليس فيها نقص أو إبهام ، وإلا غاب الحق عن أهله ، وطمست معالمه .
    قال تعالى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ ...(108)}(المائدة) .
    وإذا طلب أحد لأداء الشهادة لبّى وأداها على أحسن وجه . قال تعالى {. . . وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا . . . . . . . . ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا }(من الآية 282 البقرة) .

    رابعا ـ مَنْ يشهد ؟ :
    ذلك القرآن أنواعاً من الشهداء وكلـُّهم شهادته مقبولة معتبرة .

    1ـ طائفة من المؤمنين: { ....وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)}(النور).
    2ـ أهل الحق: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86)}(الزخرف) .
    3ـ أهل العدل: { ...وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ . . .(2) } (الطلاق).
    4ـ كل مؤمن بالله: { ...وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ..(10)}(الأحقاف) . وابن سلام رضي الله عنه من اليهود الذين أسلموا وشهدوا بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان سيد بني إسرائيل ، فغاضبوه وخاصموه لإسلامه
    5ـ مَـنْ لا تـردُ شهـادتـه لـقـربه مـن المـتـهـم وهـو أدعـى أن يـصـدَّق : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا . . . (26)}(يوسف) .
    6ـ الصالحون ، فهذا سيدنا عيسى شاهد على قومه ما دام حياً : { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ...(117)}(المائدة).
    7ـ مَنْ عنده علم من الله تعالى صادقٌ : { ... قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)}(الرعد) .
    8ـ وأولاً وأخيراً يشهد الله تعالى كما مرَّ معنا قبل قليل وكما في الآية التالية ومعه ملائكته الكرام :
    { لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ
    وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ
    وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
    (166) })النساء) .

    خامسا ـ مكانة الشهداء :
    إنَّ للشهداء الذين يشهدون الحقَّ وبالحقِّ مكانة كبيرة ، فقد ذكرنا قبل قليل أنواعهم ، وكلهم عدول ، يتمنّى كل واحد منا أن يكون مشهوداً له بمثل ما شهد الله لهم ، وهنا نذكر أنَّ مكانتهم من الله تعالى قريبة .
    ـ فمن قـُتل في سبيل الله وإعلاء كلمته كان شهيداً لله ، قال تعالى :{ ... وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ..(140) }(آل عمران) .
    ـ وقد سمى الله سبحانه وتعالى الأنبياء شهداء ، فكل نبي شهيد على أمته ، والرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ شهيد على الجميع ، فقال سبحانه : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) }(النساء) .
    ـ ومن قام بالحقِّ وعمل في سبيل الله فقد شهد بالعدل ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ...(Cool}(المائدة).
    ـ والشهداء أهل النور ، وأصحاب الثواب العظيم : {. . . وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ... (19)}(الحديد) .

    سادسا ـ علام نشهد ؟ :
    أ ـ الصادق لا يشهد إلا بما علم وتأكد ، وإلا كان كاذباً ، فإخوة يوسف نصح بعضهم بعضاً بالعودة إلى أبيهم لإخباره أن ابنه سرق ، قال عز وجل : { .... وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81)}(يوسف) ، ولا يزيد ولا ينقص ولا يقـْلِب الأمور فيكون ـ والعياذ بالله ـ من أهل الزور قال تعالى : { وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)}(الفرقان) .
    ب ـ نشـهد بـالإيـمـان والإســلام: {...واشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ )52)}(آل عمران)
    هـذا مـا قاله الحواريون ،وأطاعوا أمر ربهم حين أكدوا مكررين قال سبحانه :
    { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آَمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)}(المائدة) .
    وشهد النبيون جميعاً على التبشير بالرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام ، واتباعه ، ونصرته إنْ بُعث وهم أحياء ، فأقروا وشهدوا ، قال جل شأنه : {.... قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)}(آل عمران)
    جـ ـ ونشهد على وحدانية الله وربوبيته : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
    وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ
    (172) }(الأعراف) .
    د ـ والشهادة على الأمن والأمان ، وعدم الإساءة إلى الآخرين ، فقال تعالى مخاطباً اليهود : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ . . . (35)}(البقرة) .
    هـ ـ وتكون الشهادة لنفي التهمة كذلك ـ فلما قالت ثمود لنبيهم هود عليه السلام ،قال تعالى : { إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54)}(هود) .
    ويوم القيامة يُسأل الله المشركين عن آلهتهم المزعومة (( …وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47)}(فصلت) .
    و ـ ويشهد الكفار على أنفسهم وكفرهم ، قال تعالى : { إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) }(العاديات)،
    وقال سبحانه : {... حتّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ(37)}(الأعراف) .
    ز ـ وقد يشهد الإنسان لدرء العذاب عنه - في قضيّة الملاعنة بين الزوجين ، قال سبحانه: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (Cool وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)}(النور) .

    سابعا ـ عدد الشهداء :
    وينبهنا القرآن الكريم أن أقلَّ الشهادة في المعاملات الدنيوية شاهدان من الرجال ، قال تعالى : {... وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ....} ،
    وقد يكون الشاهد رجلاً معه اثنتان من النساء : {... فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ...}(282)(البقرة) .
    وفي حوادث الزنا يشهد أربعة رجال : { وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ ....(15)}(النساء) .
    { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) }(النور) ، وقد جُعل للزنا أربعة شهداء من الذكور لمنع الفاسقين من ثلم أعراض المسلمين ونشر الفاحشة بينهم .

    ثامنا ـ إقامة الحجة :
    ـ وقد يُكثِر الكاذب ، وصاحب الهوى ، والمفسد ، وأقرانهم من أهل السوء ، الكذبَ فيكون الإشهاد للتكذيب وإقامة الحجة على المفسدين أيّاً كانوا ، قال عز وجل: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)}(التوبة)، فكانت شهادة الله فيهم أنهم أهل الكذب والفساد . . . وعرَّاهم فبانوا على حقيقتهم .
    ـ وشهد سبحانه وتعالى في المنافقين { . . . إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)(1)}(المنافقون) حين ادّعَوا أنهم مؤمنون بالله ورسوله .
    ـ وتعال معي إلى شهادة من نوع عجيب غريب ـ وما ذلك على الله بعزيز ـ فيوم القيامة ترى ، وتسمع شهادةً ما بعدها من إنكار ، قال عز وجل : { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)}(فصلت) .
    فيشهد الإنسان على نفسه ، ويشهد بعضُه على بعض ! نعوذ بالله من هكذا مصير .

    تاسعا ـ بعض الشاهدين كاذبون :
    أ ـ وفي الدنيا تجد كثيراً من الكفار والمنافقين وأهل الأهواء يشهدون كذباً ، ويحلفون كذباً ، وهذا ديدنهم ، وعليه جبلوا .
    فمن أمثلة المنافقين قوله تعالى : { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2)}(المنافقون) .
    ومن أمثلة الكافرين المدعين أنهم يحبون الخير ، ويكرهون الفساد قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)} (البقرة)
    . يدّعون الصلاح وهم فاسدون ، ويغضبون إذا جوبهوا بذلك وقيل لهم: أصلحوا.
    وبعض المسلمين ذوي الإيمان الضعيف يرمون أزواجهم بالزنا ـ وعددهم هذه الأيام كثير فعقوبتهم اللعنة ـ والعياذ بالله ـ ومن النساء من يزنين ، وينكرن ذلك ، ويكذبن أزواجهم الذين رموهنّ ، فعقوبتهن الغضب من الله ـ والعياذ بالله ـ وقد ذكرت آيات من سورة النور تحت عنوان : " علامَ نشهد "؟ .
    ـ وعلى هذا لا يؤذن يوم القيامة لهؤلاء الكاذبين الذين ذكرنا بعضهم بالحديث ، ولا يقدرون عليه قال تعالى : { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85)}(النمل) .

    عاشرا ـ الشاهد لا يؤذى :
    وكثير من غلاظ الأفئدة مغلّفي القلوب يظلمون الناس ، ويسيئون إليهم ، وقد يضطرون لإشهاد بعض الناس في أمرٍ ، فإذا جاء وقت الشهادة لاستعادة الحقّ ، وشهد هؤلاء نالهم السوء من العتاة المجرمين ، فهددوهم وأرهبوهم كي يسكتوا . ولا يرضى اللهُ سبحانه وتعالى مثلَ هذا التصرف المشين ، فقال سبحانه : { وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ...(282)}(البقرة) .

    نسأل الله أن يجعلنا من المتقين ، الذين يشهدون الحقَّ ، ولا يخافون الباطل .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /التقعيد/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 20th 2015, 8:27 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    التقعيد

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    كل بناء له أساس يقوم عليه ، وقاعدة يرتكز عليها ، ولن تجد بناءً متيناً إذا لم يقم على أسس صُلبة وقواعد ثابتة .

    ـ والدين بناءٌ قاعدته الأولى ( التوحيد ). قال تعالى :
    { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) }(الإخلاص) .
    وقال سبحانه : { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)}(البقرة) .

    ـ ومع القاعدة الأولى تتصل القاعدة الثانية ( الإيمان باليوم الآخر ) ذلك اليوم الذي يحاسَبُ فيه الإنسان على ما قدّمت يداه خيراً أو شراً .
    قال تعالى : { إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22)} (النحل).
    وقال تعالى : { الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)
    الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
    وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)
    أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)}) البقرة).
    وقال تعالى يؤكد لقاءَه سبحانه يوم القيامة : { لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)}(مريم) .

    ـ والقاعدة الثالثة : ( الموت والبعث ). . . والموت يؤمن به كل الناس مؤمنهم وكافرهم إلا أنّ مفهوم الموت يختلف عندهما ، فالمؤمن يوقن به وبالحساب والعقاب ، والكفار ينكرون البعث ، ولا يرون حياة بعد الموت ، قال تعالى على لسان الكفار : { . . . وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ (24)}(الجاثية) ، وقال كذلك على لسانهم : { أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) }(ق).
    أما المؤمنون فيقول الله تعالى فيهم مادحاً : { إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108)}(الكهف) .

    ـ والقاعدة الرابعة : ( الحساب والعقاب ) ، قال تعالى : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا....(30)}(آل عمران) ،
    وقال تعالى : { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)}(الأعراف) .
    وقال كذلك : { فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ( 8 ) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) } (القارعة)

    ـ والقاعدة الخامسة : ( أن طريق الله تعالى واحد مستقيم ) ، لا يضل من سلكه لأنه صادر عن الله تعالى أصل الأنوار : { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...(35)}(النور).
    وقال تعالى : { وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ...(126)}(الأنعام) .
    وقال سبحانه : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} (الفاتحة) .

    ـ القاعدة السادسة : (أن الإيمان بالله لا يُقْبَلُ إلا أن يؤمن الإنسانُ بنبوّة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ورسالته ويتبعه) ، قال تعالى :
    { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} (النساء) .
    قال تعالى : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ
    فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ
    وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
    (158) }) الأعراف) .

    ـ القاعدة السابعة : ( مفاصلة المشركين لكفرهم وعداوتهم للمسلمين )، قال تعالى :
    { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)} (المائدة).
    قال تعالى : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)
    وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) }(المائدة) .
    وأعداؤنا لا يحفظون ذمة ولا عهداً ، وإذا أحسّوا بالقوة قلبوا لنا ظهر المِجَنّ ، وسامونا العذاب ألواناً ، قال تعالى :
    { لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)} (التوبة) .
    وقال سبحانه : { إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20)}(الكهف) ،
    وقال تعالى : { إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً
    وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ
    وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ
    (2)}(الممتحنة) .

    ـ القاعدة الثامنة : (أن الله تعالى شديد العقاب لمن عصى ، وواسع المغفرة لمن آمن به)
    قال تعالى : { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49)
    وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)}(الحجر) .
    وقال سبحانه : { اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98)}(المائدة) .
    وقال سبحانه : { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)}(إبراهيم) .

    ـ القاعدة التاسعة : ( أن العاقبة لأهل الإيمان
    قال تعالى : { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)}(المجادلة) .
    وقال تعالى مخاطباً نبيّه الكريم : { ...فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)}(هود) .
    وقال تعالى مؤكداً نجاة المؤمنين من جهنم على الصراط ، ووقوع الكاذبين في عذابها
    : { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) }(مريم).

    ـ القاعدة العاشرة : ( دمار الكافرين ، ولكنْ بعد أن يرسل الله إليهم الرسل فيكفرون بهم) ، قال تعالى : { وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58)}(الإسراء) .
    وقال تعالى : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)}(هود) .
    أما حين يقتلون الرسل فعقابهم شديد { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)}(الإسراء) .
    وقال تعالى : { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)}(الإسراء) .

    - القاعدة الحادية عشر : ( عداوة الشيطان للإنسان ) ، فهو ـ الشيطان ـ يعتقد أن الإنسان سبب شقائه ، فحين خلق الله تعالى آدم أمر الملائكة وإبليس أن يسجدوا له تعظيماً ، ورأى إبليس نفسه أكرم من آدم ، فأبى أن يسجد له ، وعصى ربه ، فلعنه ، وطرده من رحمته ، فآلى هذا على نفسه أن يغوي الإنسان ، ويضلّه ليكون شريكاً له في النار قال سبحانه : { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)}(ص) ،
    فنبه الله تعالى آدم محذراً إياه من إبليس ، فقال : { فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)}(طه) .
    ومِن تحذيرات الله سبحانه وتعالى لعباده من الشيطان قوله سبحانه : { يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ...(27)} (الأعراف) ، وقوله سبحانه : { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)}(الأعراف) ، وقوله سبحانه : { . . . إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)}(الإسراء) .

    ـ القاعدة الثانية عشرة : ( أن الإنسان يتحمل وحده نتائج ما آمن به وما عملته يداه ) ، قال تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)}(المدثر) .
    وقال أيضاً : { ...كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21)}(الطور) ، وقال سبحانه :{ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى . . . (18)}(فاطر) .

    وهناك قواعد عديدة وأسس واضحة تقوم عليها العلاقة :

    بين الله سبحانه وعباده .
    بين الناس أنفسهم .
    نترك لك أيها القارئ استجلاءها وتوضيحها .

    فلا بد ـ إذاً ـ أن تكون أعمالنا وتفكيرنا قائميْن على قواعد متينة ثابتة وراسخة كي لا نزل
    ونخطئ ، أو نميل مع الهوى ، أو نتيه في دروب الضلال بعيدين عن الحقِّ . لا سمح الله

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /العظة والعبرة/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 20th 2015, 8:42 pm



    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    العظة والعِبرة

    الدكتور عثمان قدري مكانسي




    توقَدُ النار في الليل ، فترى الفراشات تتسابق إليها وتحترق بها ، وتُنصب الشباك في مياه النهر والبحر فتعلق بها ملايين الأسماك يوميّاً ، ويحمل الصياد بارودته إلى النبع القريب ليصطاد العصافير ، فتأتي هذه لتشرب فتلقى حَتفها ، ولا تحجم العصافير الأخرى عن العودة إليها ، لتقع فيما وقعت فيه مثيلاتها .
    فلا عقل لها ولا تدبير يعصمها ، ولا تفكير يقودها إلى النجاة . . فالإنسان وحده الذي يتعظ بغيره ويعتبر ، الإنسان الذي يفكر في عاقبة كل أمر . . .
    ولكنْ مع الأسف تجد الكثرة الكاثرة من الناس لا تفكر ، ولا تريد أن تفكر ، وهبها الله صمام الأمان ( العقل ) فطرحته جانباً إلى الأمور المعيشية ، وتنسى البشرية أنها خلقت لتمر بمراحل الحياة ، ثم تطوي صفحة الملايين من الناس يومياً والعجلة تدور ، والناس غافلون ساهون عن الحقيقة التي خلقهم الله لأجلها ، ويأتي الأنبياء والرسل ويأتي الدعاة من بعدهم يهزُّون الناس ليستيقظوا من سباتهم ، لينتبهوا إلى حقيقتهم . . ويصحو أناس ويغرق أناس . .
    والقرآن الكريم يهزّنا لنستفيق ، ويدعونا إلى العظة والعبرة ، فيطرق أفكارنا من جهات عدة :
    أولا ـ الاتعاظ بمصير الأمم السابقة .
    ثانيا ـ الاتعاظ بنا أنفسنا .
    ثالثا ـ الاتعاظ بما حولنا من حياة طبيعيّة ، نراها يومياً .

    أولا ـ الاتعاظ بمصير الأمم السابقة:
    أرسل الله سبحانه وتعالى أنبياءه الكرام إلى الناس ، يهدونهم إلى صراطه المستقيم ، فلما أبَوْا عاقبهم سبحانه : { فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ
    فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا
    وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ
    وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ
    وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ....(40)}(العنكبوت) .
    ـ أما قوم لوط فقد عوقبوا بأن اقتلع جبريلُ عليه السلامُ قراهم من قرار الأرض ، ثم رفعها إلى عنان السماء ، ثم قلبها عليهم ، وأرسل عليهم حاصباً ( حجارة من سجيل منضود ) ، وجعل اللهُ مكانها بحيرة خبيثة منتنة " البحر الميت " وجعلهم عبرة إلى يوم التناد ، وهم من أشد الناس عذاباً يوم المعاد ، وتَرَكَ من هذه القرية آثارَ منازلهم الخربة ، ليعتبر بها الناس ، قال تعالى: { .. تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35)}( العنكبوت) .

    ـ وأما قوم شعيب ـ أهلَ مدين ـ فقد نصحهم أن يؤمنوا بالله وحده ، ويخافوا العذاب الشديد ، ولا يبخسوا الناس أشياءهم ، ولينصفوا فلا يطففوا المكيال والميزان ، فكذّبوه ، وهددوه والمؤمنين معه ، قال تعالى:  { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37)( العنكبوت).
    هذه الرجفة دمّرَت منازلهم ، وزلزلت قراهم ، ثم جاءتهم صيحة هائلة أخرجت القلوب من حناجرها ، فأصبحوا هلكى على الرُّكبِ ميتين .

    ـ وأما ثمود فقد قال سبحانه: { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5)( الحاقة) فقد أرسل الله تعالى عليهم صيحة مدمّرة جاوزت الحدَّ في أحَدّه فخلعت قلوبهم ، وذلك أنهم لما عقروا الناقة أخبرهم نبيهم بوعد الله ،قال سبحانه : { فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)}(هود) وهكذا كان ، ففي اليوم الرابع جاء الهلاك المحتوم ، قال عز وجل: { وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67)}(هود)  .
    ثم ينبهنا الله تعالى إلى الإيمان بالله وحده ، مخوّفاً إيانا من عذاب يشبه عذابهم { كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)} (هود) .

    ـ أما عاد التي سبقت ثمود فقد سبقتها كذلك بالكفر والفساد ، وحذرهم نبيهم هود من مغبّة الكفر ، فلم يأبهوا فكانوا ملعونين في الدنيا والآخرة ، قال سبحانه : { وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)}(هود) .
    ولكن كيف أهلكوا ؟
    قال تعالى : { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ(20)}(القمر) .
    إنها ريح عاصفة باردة شديدةُ العبوب والصوتِ ، استمرَّت عليهم ، قال جل شأنه :
    {  سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)}(الحاقة) ، تقلعهم إلى الأعلى ، ثم ترميهم إلى الأرض على رؤوسهم ، فتدقُّ أعناقهم ، وتتركهم على الأرض ، كأنهم أعجاز نخلٍ خاوية ، وشبههم بالنخل لطولهم ، وضخامة أجسامهم .
    وينبهنا الله تعالى أن لا نكون مثلهم ، فيعاقبَنا كما عاقبهم { فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ ( 8 ) }(الحاقة) ، { فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21)}(القمر) ؟  .  
    نعوذ بالله تعالى من سوء المصير

    ـ وهؤلاء قوم نوح عليه السلام مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ، يدعوهم إلى الإيمان بالله وحده ، وترك الأصنام ، لكنهم أبَوا الإيمان ، قال تعالى: { قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)}(نوح) .
    فكيف كان عقابهم ؟ يئس منهم نوح حين نعتوه بما لا يليق به ، قال سبحانه : { . . . وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ }(هود) ، وقال عز وجل:  
    { فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10)}(القمر) ،
    وسأل الله أن يهلكهم ، قال جل شانه : { وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)}(نوح)  ، فاستجاب له ربه مصوّراً هلاكهم الرهيب :
    { فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11)}
    وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)
    وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)
    تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14)} (القمر) .
    ولما انتهى كل شيئ ونصر الله تعالى نبيّه نوحاً والمؤمنين معه ، وغرق الكافرون توقفت السماء عن المطر ، والأرض عن إخراج الماء بأمر الله العظيم .
    أ ـ { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ
    ب ـ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي
    جـ ـ وَغِيضَ الْمَاءُ
    د ـ وَقُضِيَ الْأَمْرُ
    هـ ـ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ
    و ـ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)}(هود) .
    نعم بعداً للقوم الظالمين . . .

    ـ وهذا فرعون المتجبر المتغطرس ، قال تعالى :  { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي...(38)}(القصص) ، ثم تجاوز في طغياته ، قال سبحانه:  { فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26)}(النازعات) .
    فكيف أهلكه الله تعالى ؟ لقد سار موسى إلى البحر ، وتبعه فرعون ، فنجا موسى وأغرق الله فرعون وجنوده ، قال عز وجل: { فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)} (القصص) .
    ونجى الله بدنَ فرعون ليكون عبرةً لمن يعتبر ، قال جل شأنه : { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً...(92)}(يونس) وما يزال بدنه في متحف مصر عبرةً للمعتبرين .

    وهذا قارون آتاه الله المال الكثير ، يعجز عن حمل مفاتيحه الرجال الأقوياء ، يتكبّر ، ويبطر ، ويدّعي أن المال أتاه بكده وفهمه وذكائه، فغضب الله عليه ، ولمّا خرج يزهو بنفسه ابتلعته الأرض جزاءً وفاقاً ، قال عز من قائل : { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81)}(القصص) .
    أما ضعفاء الإيمان الذين كانوا يرغبون أن يحوزوا مثل ما عند قارون فقد انتبهوا من غفلتهم ، وحمدوا الله على نعمة الإيمان ، واتعظوا . قال عز وجل: { وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) }(القصص)  .
    ثانيا ـ الاتعاظ بنا أنفسنا :
    يفرح الوالدان بولدهما الذي أنجباه ، ويكرسان حياتهما لخدمته ، فإذا شبَّ هيآ له ما استطاعا ، ويكبر فيموتان ، ويتزوَّج هو وينجب . . . وتدور العجلة من نطفة إلى علقة إلى مضغة غير مخلقة ثم إلى مضغة مخلقة ثم يكون جنيناً كاملاً ، ثم يخرج طفلاً ، ثم فتى يافعاً ، ثم شاباً نشيطاً ثم رجلاً قوياً ، ثم يشيب ثم يهرم ، وقد يردُّ إلى أرذل العمر ، ويموت . . . وقد ينتهي أجله شاباً( عُدْ إلى سورة الحج ، الآية : 5 ، وإلى سورة المؤمنون ، الآيات : 12 ـ 14) . والعاقل يفكر ، ويعي أن هذه الدنيا فانية ، لا دوام لها ، وأن الآخرة هي الباقية ، فليعمل لها .
    والإنسان يرى العبر بعين البصيرة قبل عين البصر ، يرى تلك التحولات فيتساءل ما أعظم قدرة َ الله تعالى ، وما أجدرَه بالألوهية والربوبيّة !.
    والقرآن ينبهنا إلى التفكير والتدبير { وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُون(21)}(الذاريات)، ألا تبصرون قدرة الله في مراحل الخلق وفي اختلاف العصور ، والألسنة ، والألوان والطبائع ، والسمع والبصر ، وما إلى ذلك ؟ .
    يقول قتادة : مَنْ تفكر في خلق نفسه عرف أنه إنما خلق ، ولُيّنت مفاصله للعبادة .
    وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يُنوِّه إلى عظمة الله في خلق الإنسان :
    وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
    لماذا جعل الله الإنسان خليفة في الأرض ؟ أليس لأنه حَمَلَ الأمانة التي أَبَتْها السموات والأرض ؟ خلقه فأحسن صورته { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)}(التين) .
    ثالثا ـ الاتعاظ بما حولنا من طبيعة ومخلوقات نراها دائماً :
    فهذه الأنعام يخرج الله عزّ وجل منها شراباً لذيذاً { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)}(النحل) .
    والعجب أن ما حوله دمٌ وكَرِشٌ مليئ بالثُفل . . يا سبحان الله .
    وهذا العسل الحلو المذاق المفيد تصنعه لنا حشرات صغيرة دائبة العمل { وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) }(النحل) .
    وإذا نظرت فيما حولك من الأرض وجدت واحدة خصبة ، والثانية صخرية ، والثالثة رملية . من الذي قسمها هكذا ؟ .
    وإذا نظرت إلى المزارع والحقول ، وجدت الأنواع الكثيرة التي لا تحصى من أنواع الثمار ، كلها تشرب الماء ، ولكن طعومها مختلف من حلوٍ ، إلى مرٍّ ، إلى حامض إلى مالح ، " ونفضل بعضها على بعض في الأكل " . مَنْ خلقها ونوَّعها ؟ .
    بل إن الشجرة الواحدة قد تكون لها فرعان لثمر واحد ، لكنهما يختلفان في الطعم .
    بل انظر إلى الأرض الممتدة أمامك فيها الوديان والجبال والأنهار ومن كل الثمرات ، ثم تمعن في اختلاف الليل والنهار بشكل منتظم . . . أليس مَنْ خلق هذا ودبّره قمين أن يُعْبَدَ ـ سبحانه ـ ؟
    { وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا
    وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
    يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
    (3)
    وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
    (4)}(الرعد) .
    وكل ما حولنا فيه تعظيم لخالقنا ، دال على قدرته ، سبحانه وتعالى من إله عظيم قدير .

    اللهم ارزقنا البصر والبصيرة .

    يتبع

    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /الدقّة في العلم والتصرف/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 20th 2015, 9:36 pm


    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    الدقّة في العلم والتصرف

    الدكتور عثمان قدري مكانسي



    صفة في الإنسان تدلُّ على نباهة صاحبها وذكائه ، تصدر عنه الأمور بعد رويّة وتدقيق ، وحساب ومراجعة ، يتابع الأمور معتمداً على آليات ومعطيات موثوقة ، ويتحرى الأشياء قبل الحكم عليها ويحسب لكل شيء حساباً .
    وهذا لا يعني أنه موفق دائماً فالأمر بيد الله لكنّه يتعاطى الأسباب ، وغالب أفعاله توصله إلى ما يرميه .
    والقرآن الكريم يضع بين أيدينا كثيراً من الآيات التي تصف المولى عزَّ وجلَّ بالعلم المطلق ، والدقة الكاملة سبحانه وتعالى ، فلِمَ لا نسير على هداه ، ونقطف من جناه ، ونستقي من ضياه ، ونقبس من سناه ؟ .
    فهو سبحانه وتعالى يحكي عن ذاته العظيمة فيقول : { .... وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)}(يونس) .
    فهناك إذاً ما هو أصغر من الذرة ، وقد اكتشف العلم الحديث ذلك . . { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)}(سبأ) .

    وكما أنه سبحانه يعلم كل شيء ، ولا يغيب عنه شيء : فهو سبحانه يحاسب على كل شيء ، مهما صغر أو كبر ، قال تعالى : { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ( 8 )}(الزلزلة) .
    وقال سبحانه كذلك : { إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) }(النساء) .

    كما أن الذي يؤمن بالله ، ويقرن الإيمان بالعمل يكرمه الله تعالى فيدخله الجنة ، ولا يُنقِص من ثوابه شيئاً مهما كان صغيراً ، كيف لا والمجازي هو الرحمن الرحيم ؟
    قال تعالى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) }(النساء) ، والنقير : حفرة في ظهر النواة ، كرأس الدبوس ، لا تكاد تُرى .

    والله سبحانه وتعالى المتصرف في كل شيئ . أما المعبودات الأخرى فلا تملك شيئاً
    مهما حَقُر ، فضلاً عن أنها لا تملك نفسها ، فكيف يعبدها الضالون .
    قال تعالى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13)}(فاطر) ، والقطمير : تلك القشرة الرقيقة بين الثمرة والنواة .
    أرأيت إلى هذه الدقة في التعبير ففي هذه الآية ذُكِرَ " القطمير " وفي الآية السابقة
    ذُكر " النقير " .

    فإذا وقفت في غابةكبيرة فيها مئات الآلاف المؤلفة من مليارات الأوراق ، وعشرات الآلاف من مليارات الحب والثمار ، قلتَ مَنْ يعلم عددها ونوعها ؟ .
    والله سبحانه وتعالى يعلم عددها وعدد ما سقط على الأرض منها . . . دقة عجيبة ، وحساب متقن { . . . . وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)}(الأنعام) .

    وكل ما يفعله الله بقدر ، وهو مكتوب عنده في لوحه المحفوظ .
    قال تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)}(القمر) ، { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53)}(القمر) ، وقال أيضاً : { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)}(يس) .

    والمشركون يأخذون كتبهم بشمالهم ، فيقرؤونها ، فلا يجدون إلا ما عملوه كاملاً لم ينقص شيئاً صغيراً كان أم كبيراً ، فيتملّك اليأس قلوبهم .
    أ ـ { وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا
    ب ـ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا
    جـ ـ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)}(الكهف) .

    وحين يرفع الله سبحانه وتعالى أولياءه الصالحين إلى الدرجات العلا ، يكرمهم ، فيرفع معهم ذريتهم الذين اتبعوهم بإحسان ، إلى مراتبهم على الرغم من أن صلاح الذرية لم يبلغْ صلاح الآباء مَنّاً منه سبحانه وفضلاً ، دون أن ينقص من ثواب الآباء شيئاً ، قال تعالى : { وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . . .(21 }(الطور) .

    ومن الدقة العجيبة كما مرَّ في "النقير" و "القطمير" ، "الفتيل" أيضاً وهو الخيط الذي في شق النواة . . لا يظلم الله المؤمنين في ثوابهم وأجورهم ، بل يكرمهم ويزيدهم ، فهو المنعم الوهاب .
    قال تعالى : { يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71) }(الإسراء) .

    وتعالَ إلى الحساب الدقيق في السنوات ، فهؤلاء أصحاب الكهف لبثوا فيه ثلاثة مئة سنة ميلادية ، وهي تساوي ثلاث مئة وتسع سنوات هجرية . وعلى هذا لاحظ الدقة في الحساب
    { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) }(الكهف) .

    واقرأ معي هذه الآية وتمعن في بعض الأسباب تتابع الليل والنهار :
    { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً
    أ ـ لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
    ب ـ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ
    وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) }(الإسراء) .

    فالدقة دليل على التمكن ، وطريق إلى التثبت .

    يتبع


    Nabil48
    عضو دائم
    عضو دائم

    ذكر عدد الرسائل : 193
    العمر : 67
    تاريخ التسجيل : 20/07/2009

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم /الوضوح في المعاملة/د.عثمان قدري مكانسي

    مُساهمة من طرف Nabil48 في فبراير 22nd 2015, 4:48 pm

    كتاب من أساليب التربية في القرآن الكريم

    الوضوح في المعاملة  

    الدكتور عثمان قدري مكانسي


       


    ليس هناك أفضل من الوضوح في التعامل ، ففي الوضوح فوائد عديدة منها :

    1 ـ أن يعرف كل من الفريقين حدوده ، فلا يتعدّاها .
    2 ـ أنْ يلتزم المتعاملون بما اتفقوا عليه ، فترتاح النفوس .
    3 ـ أنْ تنسدَّ أمام المتلاعبين طرق الاحتيال والفساد .
       
    والقرآن الكريم علمنا أن نعمل في ضوء الشمس ، دون مواربة أو ختل ، فنحن ندعو إلى الله بطريق واضحة ، يراها من يريد أن يراها ، ويتبعها من يريد اتباعها من أهل الفطانة والعلم ، والطويّة النظيفة .

        ـ والله سبحانه وتعالى علّمَ نبيّه الكريم أن يكون قدوة في الوضوح { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)}(يوسف) .

        ـ أما شعيب عليه السلام ، أو الرجل الصالح في مدين ، الذي سقى موسى عليه السلام لابنتيه غنمه ، فقد أراد أن يزوج موسى ابنته ، فكان شرطه واضحاً ، قَبِـِلَـَه موسى عليه السلام:
    { قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ
    1 ـ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ
    2 ـ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ
    3 ـ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
    4 ـ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)
    5 ـ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
    6 ـ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ
    7 ـ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) }(القصص) .
        شروط واضحة ليس فيها لبس . . وعلى مثل عين الشمس فاشهد .
       
    ـ وتزوَّج زيد بن حارثة زينب بنت جحش ومكثت عنده فترة ، ثم لم يتفقا ، فطلّقها وكان زيد مملوكاً للسيدة خديجة ، وهبته للرسول الكريم حين تزوجها ، فأعتقه وتبنّاه ، وكان رسول الله
    ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمر زيداً أن يمسكها ، فلا يطلِّقْها . وهو يعلم أن الله سيبطل التبنّي وأحكامَه بتطليق زينب من زيد ، وتزويجها للرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
        وبما أن الدِّينَ لا يمكن أن يكون فيه غموض وإبهام نزلت الآيات ، موضحة الأحكام دون حرج ولا خجل ، فالحق أحقُّ أن يتبع ، ولا يصح إلا الصحيح:
    { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ
        فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا
        لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
    (37)}(الأحزاب) .

        ـ وفتح الله سبحانه على نبيه وعلى المسلمين خيبر ، فملكوا الكثير الكثير ، ورأت نساء النبي صلى الله عليه وسلم كثرة المال بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألنه الزيادة في النفقة ، ليتمتعن بسعة الدنيا ونعيمها وبهرجها الزائل ، فتأذى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إلحافهن في السؤال ، وإلحاحهن فيه . فنزلت الآيات واضحة تبيّن ما على نساء النبي أن يكنّ:
    أ ـ  { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28)
    ب ـ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29)
    جـ ـ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)
    د ـ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31)
    هـ ـ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32)
    و ـ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)
    ز ـ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)}(الأحزاب)
       
    فوضّح الله لهنّ مكانتهن العظيمة في بيوت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وأنهنّ قدوة لنساء المسلمين توضيحاً بيّناً . فرضين كلهن برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زوجاً وحبيباً ، وقلن كلهن : بل نريد الله ورسوله والدار الآخرة . . . رضي الله عنهنّ وأرضاهنّ .

        ـ وليس المسلمون والكفار سواء في المعاملة في المجتمع الإسلامي . . صحيح أن لغير المسلمين في مجتمعنا حقَّ المواطنة والعيش الكريم ، والأمان ، إلا أنهم لا ينبغي أن يكونوا على قدم وساق مع المسلمين ، لا في الدنيا ، ولا في الآخرة كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى . فقال في كتابه الكريم ، نافياً أن يعامل المجرمون في الآخرة بما يماثل معاملة المسلمين ، في كثير أو قليل :
    { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)}(سورة القلم) .
        وقال سبحانه : { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) }(سورة ص) .
        ـ وما أشد وضوح معاملة المطلقات في هذه الآيات :
    { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ
    أ   ـ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
    ب ـ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ
    جـ ـ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ
    د  ـ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ
    هـ ـ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ ....(1) }(سورة الطلاق)  .
    و  ـ { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
    ز  ـ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ...(2) }(سورة الطلاق)  .
    ح ـ { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ
         يَحِضْنَ ...*
    ي ـ  ... وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ
         يُسْرًا
    (4) }(سورة الطلاق)  .
    * (لم يحضن لصغرهن ، عدتهن ثلاثة أشهر )

         ـ وكثيرٌ من النساء هربن من المجتمع المكي المشرك إلى المدينة المنوّرة ، بعد صلح الحديبية ، فجاء أزواجهن أو إخوتهن يستردونهن بموجب الاتفاق المبرم ، إلا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، اعتبر المتفق عليه بحق الرجال لا النساء ، وجعل لهن امتحاناً يَعرِف به المسلمون إن كنَّ مؤمنات حقاً ، أو هربن لأمر ما .
        { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا
    1 ـ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ
    2 ـ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ
    3 ـ وَآَتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا
    4 ـ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
    5 ـ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ
        وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا . . .(10) }(سورة الممتحنة) .
    6ـ { وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا
         أَنْفَقُوا
    ..(11) }(سورة الممتحنة) .
        فهذه الآيات كانت موضحة تمام التوضيح لمعاملة النساء المسلمات ، اللواتي هربن إلى المجتمع المسلم ، والنساء اللواتي ارتددن إلى الكفر ، وكيف يدفع للمسلمات الجديدات مهرهن ، وكيف ـ إن كان ممكناً ـ استرداد ما دفعه المسلمون من مهور النساء اللواتي عدن إلى مكة مرتدات . . . وضوح ، وتنظيم ، ودقة في المعاملة ، كي يبتعد المسلمون عن الحرج . . .

        ـ ويجب البرّ بالوالدين ، ولو كانا مشركين ، ولا يكون الشكر لله إلا مقروناً مع الشكر لمن أحسن إليك ـ الوالدين ـ ولكنْ للبر حدودٌ لا يمكن تخطيها !! . خاصةً إذا كانت حدود الله تعالى .
    أ   ـ { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ
    ب ـ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ
    جـ ـ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)
    د  ـ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا
    هـ ـ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا
    و ـ  وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ . . . . (15) }(سورة لقمان) .

        ـ ونرى الوضوح كذلك في التعامل مع من يرتكب فاحشة الزنا :
    1ـ  فإن كان الزاني والزانية غير محصنين فكيف يعاقبان ؟ : .
     أ   ـ { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ
     ب ـ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ
     جـ ـ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) }(سورة النور) .
    2 ـ  بمن يقترن الزاني والزانية ؟ :
     أ   ـ { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً
     ب ـ  وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
     جـ ـ  وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) }(سورة النور) .
    3ـ  ما عقوبة مَنْ يقذف المحصنات دون وجه حق ؟ :
        { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
      أ   ـ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
      ب ـ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا
      جـ ـ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) }(سورة النور) .
    4ـ  فهل تبقى العقوبتان المعنوية في الدنيا والنار في الآخرة إن تاب القاذف ؟ { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوامِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }(سورة النور) . لا ، إنما يعود الأمر إلى مجراه بعد التوبة ، فتنتفي عنه صفة الفسوق حين يعترف أنه أخطأ .
    5ـ  فإن كان القاذف الزوج نفسه فما يكون من الزوجين ؟ :
        { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ  
    أ   ـ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)
      ب ـ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)
        وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ
      أ   ـ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ( 8 )
      ب ـ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) }(سورة النور) .
        وهكذا يفرَّق بين الزوجين المتلاعنين فراق بينونة كبرى ، ويكون أحدهما قد باء بالخسران الأبدي إلا إذا كانت المرأة زانية ، واعترفت ، فرجمت ، فقد طهرت ، وتابت توبة نصوحاً .

        إن الغوص في أعماق القرآن والقراءة فيه بإمعان يجلي للقارىء كنوزاً من الأمثلة في كل اسلوب تعليمي من أساليب القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .

    يتبع

      الوقت/التاريخ الآن هو ديسمبر 10th 2016, 12:48 pm